في الأسواق المالية، لا تكمن الخطورة دائمًا في انخفاض الأسعار بحد ذاته، وإنما في سرعة الانخفاض وحجم التداول الذي يصاحبه، خصوصًا عندما يتحول الهبوط من حركة سعرية طبيعية إلى موجة بيع جماعية تتسارع فيها قرارات المستثمرين تحت تأثير الخوف والقلق. ومن هنا يأتي هذا المقترح لتطوير إحدى آليات حماية السوق السعودي، وذلك من خلال وضع حد استثنائي يرتبط بمؤشر السوق الرئيسية «تاسي»، بحيث إذا انخفض المؤشر بنسبة 5% خلال جلسة التداول، يتم إيقاف التداول لبقية ذلك اليوم، مع ترك المجال للجهة المنظمة لتحديد الآلية الدقيقة لتطبيق هذا الإجراء والاستثناءات المرتبطة به.
الفكرة هنا لا تقوم على منع المستثمر من البيع أو التدخل في الأسعار، وإنما على التعامل مع الحالات الاستثنائية التي يصبح فيها الهبوط واسعًا ويشمل السوق ككل. فهبوط سهم أو مجموعة من الأسهم بنسبة كبيرة قد يكون مرتبطًا بأخبار أو نتائج أو أحداث تخص تلك الشركات، ويمكن للسوق التعامل معها من خلال آليات التداول المعتادة. أما وصول الانخفاض إلى 5% على مستوى مؤشر «تاسي»، فيعني أن الحركة أصبحت واسعة وتشمل جزءًا كبيرًا من السوق، وهنا قد يكون من المفيد منح المستثمرين والسوق فترة زمنية لاستيعاب ما يحدث وإعادة تقييم المعلومات المتاحة.
ومن أهم فوائد هذا المقترح أنه يمنح السوق فرصة لامتصاص الأخبار المفاجئة. ففي بعض الحالات قد يظهر خبر اقتصادي أو سياسي أو إعلان مؤثر يتعلق بشركة كبيرة أو قطاع رئيسي، فتكون ردة فعل المستثمرين سريعة جدًا، وقد تتجاوز في اللحظات الأولى التقييم الحقيقي لأثر الخبر. إيقاف التداول عند وصول المؤشر إلى مستوى الهبوط المقترح يمنح المتعاملين وقتًا لقراءة الخبر وفهم تداعياته، بدل اتخاذ قرارات متسرعة تحت تأثير الصدمة الأولى. كما أن هذه الفترة قد تكون مهمة للمستثمرين الذين يستخدمون التسهيلات المالية؛ فالهبوط الحاد في قيمة المحافظ قد يضعهم أمام طلبات تغطية أو خطر التسييل من قبل الوسيط. وجود فترة توقف يمنح هؤلاء المستثمرين فرصة لمراجعة مراكزهم المالية وتوفير السيولة أو تعديل مراكزهم قبل الوصول إلى مرحلة التسييل الإجباري، وهو أمر قد يساعد بدوره على الحد من زيادة ضغوط البيع في السوق.
كما أن إيقاف التداول في هذه الحالة قد يساهم في كسر دائرة البيع الناتج عن الخوف. فعندما يبدأ المؤشر بالانخفاض بسرعة، قد يتحول الأمر إلى سلسلة متتابعة؛ انخفاض الأسعار يؤدي إلى زيادة القلق، والقلق يؤدي إلى أوامر بيع إضافية، وهذه الأوامر تضغط على الأسعار بصورة أكبر. وإذا تزامن ذلك مع تسييل محافظ تستخدم التسهيلات، فقد تتضاعف الضغوط في فترة زمنية قصيرة جدًا. لذلك فإن وجود فترة توقف محددة يمكن أن يمنح المستثمرين وشركات الوساطة فرصة للتعامل مع الوضع الاستثنائي بصورة أكثر هدوءًا، بدل استمرار سلسلة الأوامر والبيع الإجباري دون فرصة كافية لإعادة تقييم المراكز.
وقد يكون من المفيد كذلك أن تمنح هذه الآلية المستثمرين وقتًا لمراجعة الإفصاحات والمعلومات الجديدة. ففي أيام الهبوط الحاد قد تتزامن عدة أخبار وإفصاحات وتطورات اقتصادية في وقت واحد، وقد يحتاج المستثمر إلى وقت لفهمها وتقييم تأثيرها على الشركات والقطاعات المختلفة. استمرار التداول في ظل حركة شديدة السرعة قد يدفع بعض المتعاملين إلى اتخاذ قرارات قبل أن تتضح الصورة كاملة، بينما يوفر التوقف مساحة زمنية تسمح بقراءة المعلومات المتاحة والتعامل معها بصورة أكثر عقلانية.
ويملك السوق السعودي أصلًا مفهوم حدود التذبذب وآليات إيقاف التداول في حالات محددة، كما أن الأنظمة تمنح هيئة السوق المالية صلاحيات لاتخاذ إجراءات استثنائية عندما يكون ذلك ضروريًا لحماية المستثمرين أو المحافظة على سوق منتظمة. لكن المقترح هنا يختلف في كونه قاعدة واضحة ومعلنة مسبقًا مرتبطة بأداء المؤشر العام، بحيث يعرف المستثمر قبل حدوث الأزمة ماذا سيحدث إذا وصل السوق إلى مستوى هبوط معين. وهذه الشفافية مهمة بحد ذاتها؛ لأن معرفة وجود نقطة توقف واضحة قد تمنح المتعاملين قدرًا أكبر من اليقين في واحدة من أكثر اللحظات اضطرابًا.
ومن المهم التأكيد أن الهدف من هذا المقترح ليس منع انخفاض الأسعار أو محاولة المحافظة على مستوى معين للمؤشر. فإذا كانت هناك أسباب اقتصادية حقيقية تستوجب انخفاض الأسعار، فإن إيقاف التداول لن يلغي تلك الأسباب، وقد يعود السوق إلى الانخفاض عند استئناف التداول. الهدف هو التعامل مع سرعة الحركة في الظروف الاستثنائية، ومنح المستثمرين والوسطاء والسوق عمومًا فرصة لالتقاط الأنفاس واستيعاب المعلومات، خصوصًا عندما يصبح الهبوط واسعًا وسريعًا إلى درجة قد تؤدي إلى آثار متتابعة لا ترتبط بالضرورة بالقيمة العادلة للأصول.
لذلك يمكن أن يكون المقترح هو اعتماد مستوى انخفاض قدره 5% في مؤشر «تاسي» كنقطة تستدعي إيقاف التداول لبقية الجلسة، مع إمكانية أن تتضمن القواعد آلية واضحة للتعامل مع هذه الحالة. وليس المقصود أن تكون نسبة 5% رقمًا مقدسًا لا يمكن تغييره، وإنما نقطة بداية يمكن للجهة المنظمة دراستها بناءً على بيانات السوق وسلوك التداول وتجارب الأسواق العالمية، مع مراجعتها مستقبلًا إذا أثبتت البيانات أن مستوى آخر أكثر ملاءمة.
وفي النهاية، ليس الهدف من إيقاف التداول عند انخفاض «تاسي» 5% أن نقول للسوق إلى أين يجب أن يتجه، ولا أن نمنع المستثمر من تحمل الخسارة أو أن نضمن له سعرًا معينًا، وإنما أن نقول إن هناك لحظة يصبح فيها من المفيد أن يتوقف السوق قليلًا قبل أن يستمر. فإذا كان انخفاض 1% أو 2% حركة طبيعية يمكن للسوق استيعابها، فإن بلوغ 5% في جلسة واحدة يستحق، على الأقل، وجود آلية تلقائية ومدروسة تمنح المستثمرين والسوق فرصة لالتقاط الأنفاس، ثم التعامل مع التداول والقرارات الاستثمارية على أساس معلومات أكثر وضوحًا.
خاص_الفابيتا



معقوله ما عندنا حاجة كذا !