فترة تداول إضافية لمدة ثلاث ساعات بعد إغلاق السوق الرسمي.. مقترح لتطوير سوق الأسهم السعودي (1)

22/09/2026 0
د. عبد الرؤوف المبارك

يمر سوق الأسهم السعودي خلال السنوات الأخيرة بمرحلة مختلفة تمامًا عن تلك التي كان عليها قبل عقد من الزمن. فالسوق لم يعد مجرد منصة لتداول الأسهم المحلية، بل أصبح جزءًا أساسيًا من منظومة الاقتصاد والاستثمار في المملكة، وأصبح حجم الشركات المدرجة وتنوع القطاعات وارتفاع عدد المستثمرين المحليين والدوليين يتطلب استمرار تطوير آليات السوق بما يتناسب مع مكانة الاقتصاد السعودي وطموحات رؤية المملكة 2030. ومن هنا يمكن طرح فكرة تستحق الدراسة والنقاش: لماذا لا يتم تخصيص فترة تداول إضافية بعد إغلاق السوق الرسمي، تمتد لثلاث ساعات مثلًا، بحيث تبدأ بعد انتهاء جلسة التداول الحالية وتتيح للمستثمرين تنفيذ عمليات البيع والشراء وفق ضوابط واضحة تختلف عن جلسة التداول الرئيسية؟

حاليًا يبدأ التداول في السوق السعودية عند الساعة العاشرة صباحًا وينتهي التداول المستمر عند الثالثة عصرًا، تليه جلسة مزاد الإغلاق ثم جلسة التداول بسعر الإغلاق. كما توجد بالفعل جلسات للصفقات المتفاوض عليها بعد الإغلاق، وتمتد بعض هذه الجلسات إلى أوقات لاحقة، إلا أنها لا تمثل جلسة تداول مستمرة مفتوحة لجميع المستثمرين بالطريقة التي يمكن أن تكون عليها فترة تداول مسائية.

الفكرة ببساطة هي أن ينتهي التداول الرسمي في موعده الحالي، ثم تبدأ بعده فترة تداول مسائية، ولتكن على سبيل المثال من الساعة الرابعة مساءً وحتى السابعة مساءً. ولا يعني هذا المقترح تغيير ساعات التداول الرسمية أو إطالتها، وإنما إضافة جلسة مستقلة بعد الإغلاق، لها قواعدها وآلياتها الخاصة. وهذا التفريق مهم؛ لأن التداول بعد الإغلاق لا ينبغي أن يكون مجرد نسخة ثانية من جلسة التداول الرئيسية، وإنما فترة مصممة للتعامل مع طبيعة مختلفة من المعلومات والأوامر والسيولة، وبما يحقق للمستثمر قدرًا أكبر من المرونة دون أن يضيف مخاطر غير ضرورية إلى السوق. لذلك نجاح هذا المقترح يتطلب نقطة أساسية، وهي أن تكون أوامر التداول في الفترة المسائية مختلفة عن الأوامر المستخدمة خلال جلسة التداول الرسمية. فطبيعة السيولة وحجم المشاركين في هذه الفترة قد تختلف عن الجلسة الرئيسية، وبالتالي فإن السماح باستخدام جميع أنواع الأوامر وبنفس آليات التداول قد لا يكون الخيار الأفضل. ويمكن أن يتم تصميم أنواع أوامر خاصة بالجلسة المسائية، تكون أكثر ملاءمة لطبيعتها، وتوضح للمستثمر منذ البداية أن الأمر الذي يضعه ينتمي إلى جلسة التداول المسائية وليس إلى الجلسة الرئيسية.

ومن الممكن أيضًا أن تكون هناك قيود سعرية أكثر تحفظًا خلال هذه الفترة. فعلى سبيل المثال، يمكن دراسة تحديد نطاق تذبذب لا يتجاوز 2% صعودًا أو هبوطًا من سعر إغلاق السهم في الجلسة الرسمية. فإذا أغلق سهم عند 100 ريال، يمكن أن يكون نطاق التداول في الجلسة المسائية بين 98 و102 ريال. وبذلك يحصل المستثمر على فرصة للتفاعل مع الأخبار والتطورات الجديدة، ولكن ضمن نطاق محدود يقلل من احتمالات التقلبات الحادة التي قد تنتج عن انخفاض السيولة في هذه الفترة.

أحد أهم الأسباب التي تجعل هذا المقترح جديرًا بالدراسة هو أن المعلومات المؤثرة في أسعار الأسهم لا تتوقف عند لحظة إغلاق السوق. فقد تعلن الشركات عن نتائج مالية أو عقود أو مشاريع أو توزيعات أو أحداث جوهرية بعد انتهاء التداول الرسمي، كما تستمر الأسواق العالمية في الحركة لساعات طويلة بعد إغلاق السوق السعودي. كذلك قد تحدث تطورات مهمة في أسعار النفط أو العملات أو المؤشرات العالمية أو قرارات اقتصادية ومالية مؤثرة خلال الفترة المسائية. وفي الوضع الحالي، قد يضطر المستثمر إلى الانتظار حتى صباح اليوم التالي للتفاعل مع هذه التطورات من خلال السوق السعودي، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراكم الأوامر وظهور تأثير كبير عند الافتتاح.

كذلك فإن هذه الفترة قد تكون ذات أهمية خاصة للمستثمرين الأفراد الذين تتعارض ساعات عملهم اليومية مع ساعات التداول الحالية. فالكثير من الموظفين وأصحاب الأعمال لا يستطيعون متابعة السوق بصورة مستمرة خلال ساعات التداول الرسمية. صحيح أن الأوامر المسبقة توفر حلًا جزئيًا، لكنها لا تعطي المستثمر القدرة نفسها على اتخاذ القرار بعد ظهور خبر جديد أو تغير مفاجئ في الظروف الاقتصادية. جلسة مسائية لمدة ثلاث ساعات يمكن أن توفر نافذة زمنية إضافية لشريحة كبيرة من المستثمرين، دون الحاجة إلى تغيير ساعات التداول الرئيسية التي اعتاد عليها السوق.

ومن ناحية أخرى، يمكن أن تسهم الفترة المسائية في زيادة جاذبية السوق السعودي للمستثمرين الدوليين. فالأسواق العالمية لا تتوقف عن الحركة عندما يغلق السوق السعودي، وأي سوق يريد تعزيز حضوره الدولي يحتاج إلى التفكير في كيفية تسهيل تفاعل المستثمرين مع التطورات العالمية. ولا يعني ذلك أن السوق السعودي يجب أن يحاكي الأسواق الأمريكية أو الأوروبية بشكل كامل، وإنما يمكن تطوير نموذج يتناسب مع طبيعة السوق المحلي، ويوفر درجة أكبر من المرونة دون التضحية بالاستقرار والانضباط.

وقد تكون هناك فائدة أخرى تتمثل في زيادة عمق السوق والسيولة على مدار اليوم وكذلك إمكانية تبادل الأسهم بين المحافظ بنطاق سعري متفق عليه بين المستثمرين.

ولا ينبغي النظر إلى هذه الفكرة على أنها دعوة إلى زيادة ساعات التداول بلا حدود. على العكس، اختيار ثلاث ساعات فقط بعد الإغلاق يمكن أن يكون حلًا متوازنًا. فهي مدة كافية لمنح المستثمر فرصة للتفاعل مع الأخبار والأحداث التي تظهر بعد انتهاء الجلسة، وفي الوقت نفسه ليست طويلة إلى درجة تجعل السوق يعمل لساعات ممتدة بصورة قد تزيد تكاليف التشغيل والمتابعة على المستثمرين والوسطاء والشركات المدرجة.

وبالطبع، فإن تطبيق المقترح يحتاج إلى دراسة دقيقة من الجهات التنظيمية، خصوصًا فيما يتعلق بإدارة المخاطر، والشفافية، والإفصاح، وآلية التعامل مع الأخبار الجوهرية، ومراقبة التداولات غير الاعتيادية، وحماية المستثمرين، بالإضافة إلى دراسة أثر الجلسة المسائية على شركات الوساطة والبنية التقنية للسوق. كما ينبغي أن تكون هناك آلية واضحة للإعلانات التي تصدر أثناء هذه الفترة، بحيث تصل المعلومات إلى جميع المستثمرين بصورة متساوية وعادلة.

في النهاية، قد تبدو إضافة فترة تداول مسائية مستقله لتداول بعد الإغلاق فكرة بسيطة، لكنها تحمل مجموعة من الأهداف التي تتجاوز مجرد زيادة عدد ساعات التداول. فهي قد تمنح المستثمرين فرصة أكبر للتفاعل مع الأخبار، وتقلل الفجوة الزمنية بين ظهور المعلومات والتفاعل معها، وتساعد في تحسين اكتشاف الأسعار، وتوفر مرونة أكبر للموظفين والمستثمرين الأفراد، ، وتمنح السوق قدرة أكبر على التعامل مع التطورات العالمية، وفي الوقت نفسه تعزز جاذبيته للمستثمرين الدوليين.

 

خاص_الفابيتا