صدر مؤخرًا أمر ملكي بتعيين الأستاذ مازن بن تركي السديري رئيسًا لمجلس هيئة السوق المالية بمرتبة وزير، خلفًا للأستاذ محمد بن عبدالله القويز. وقد مر الخبر بالنسبة للبعض باعتباره مجرد تغيير في أحد المناصب القيادية، وانصب الاهتمام بطبيعة الحال على الرئيس الجديد وخبرته وما يمكن أن يحمله من توجهات للمرحلة المقبلة. لكن بعيدًا عن الأشخاص، هناك سؤال يستحق التوقف عنده: لماذا يتم تعيين رئيس مجلس هيئة السوق المالية بأمر ملكي؟ وهل هذه هي الطريقة الأفضل لاختيار رئيس الجهة التي تتولى تنظيم والإشراف على واحدة من أهم الأسواق المالية في المنطقة؟
الإجابة المباشرة أن الأمر الملكي هو ما نص عليه النظام، وبالتالي فإن التعيين الأخير ليس إجراءً استثنائيًا، بل يأتي ضمن الإطار النظامي الذي يحكم عمل هيئة السوق المالية. لكن النظر إلى المسألة من زاوية النظام وحده لا يكفي؛ فالأهم هو فهم السبب الذي يجعل هذا النموذج منطقيًا، ولماذا قد يكون مناسبًا لطبيعة الهيئة تحديدًا. لو كانت الهيئة شركة مساهمة، لكان من الطبيعي أن يكون المساهمون هم أصحاب القرار في اختيار مجلس إدارتها، وأن يقوم المجلس باختيار قيادتها التنفيذية، لأن الشركة في النهاية تعمل وفق مصالح مساهميها وتخضع لمنطق الشركات والربحية. ولو كانت وزارة، لكان من الطبيعي أن تكون قيادتها جزءًا من الهيكل التنفيذي التقليدي للدولة. لكن هيئة السوق المالية تقع في مساحة مختلفة؛ فهي جهة تنظيمية مستقلة ذات طبيعة خاصة، لا تبحث عن الربح، ولا تمثل مصالح فئة معينة، وإنما تنظم العلاقة بين جميع الأطراف الموجودة في السوق وتراقب التزامهم بالأنظمة وتحمي المستثمرين وتعمل على تطوير السوق ورفع كفاءته. ولذلك فإن رئيسها لا يمكن أن يكون ممثلًا لمصلحة داخل السوق، بل يجب أن يكون مسؤولًا عن السوق ككل وعن المصلحة الاقتصادية الأوسع.
ومن هنا يصبح السؤال عن الجهة التي تختار رئيس الهيئة أكثر أهمية. فالسوق المالية تضم شركات مدرجة، وبنوكًا، وشركات وساطة، وصناديق استثمارية، ومؤسسات مالية، ومستثمرين أفرادًا ومؤسساتيين، إضافة إلى مستثمرين أجانب، ولكل طرف من هذه الأطراف مصالحه وأهدافه. بعض هذه المصالح قد تتوافق مع أهداف الهيئة، وبعضها قد يتعارض معها. الشركة قد ترى أن بعض المتطلبات التنظيمية مرهقة، بينما يرى المستثمر أنها ضرورية لحمايته، وشركة الوساطة قد تبحث عن مرونة أكبر في ممارسة أعمالها، بينما تحتاج الهيئة إلى التأكد من سلامة السوق وعدالة التعامل بين جميع المشاركين. وفي مثل هذه البيئة، فإن وجود مسافة واضحة بين الجهة المنظمة وبين الأطراف التي تخضع لتنظيمها يمثل عنصرًا أساسيًا في قوة النظام الرقابي.
ولهذا السبب تحديدًا أرى أن التعيين الملكي يحمل ميزة مهمة. فاختيار رئيس الهيئة من خلال جهة عليا في الدولة، وليس من خلال أطراف السوق أو جهة مرتبطة مباشرة بمصالحها، يضمن أن القيادة العليا للجهة المنظمة لا تكون مدينة في اختيارها لأي طرف من أطراف السوق. وهذا لا يعني أن التعيين الملكي يجعل الهيئة أكثر استقلالية لمجرد أنه ملكي، وإنما يعني أن الاستقلالية المطلوبة هنا هي الاستقلالية عن المصالح التي تخضع للرقابة، وليس الاستقلالية عن الدولة. وهذه نقطة مهمة جدًا؛ فالهيئة تحتاج إلى أن تكون مستقلة في قراراتها التنظيمية والرقابية، لكنها في الوقت نفسه جزء من المنظومة الاقتصادية للدولة، وتعمل لخدمة أهدافها الاقتصادية وحماية مصالح المستثمرين وتطوير السوق.
يجب التفريق بين هيئة السوق المالية وشركة تداول السعودية. فشركة تداول تدير السوق وتشغل منصتها وتعمل كطرف داخل المنظومة المالية، بينما هيئة السوق المالية هي الجهة المنظمة والمشرفة. ومن غير المنطقي أن تصبح الجهة التي تعمل داخل السوق صاحبة التأثير الأكبر في اختيار قيادة الجهة التي تنظمها وتراقبها. الفصل بين المنظم والمشغل ليس مجرد تفصيل إداري، بل هو أحد العناصر التي تساعد على حماية نزاهة السوق ومنع تضارب المصالح. وعندما يأتي قرار اختيار رئيس الهيئة من خارج دائرة المصالح المباشرة للسوق، فإن ذلك يعزز هذا الفصل ويعطي الجهة التنظيمية مساحة أكبر لممارسة دورها.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما نتذكر أن السوق المالية السعودية لم تعد سوقًا محلية بالمعنى التقليدي. فقد أصبحت من أكبر الأسواق المالية في المنطقة، وازدادت أهميتها للمستثمرين العالميين، وأصبح أداء الشركات المدرجة وتطور الأنظمة والتشريعات محل اهتمام مؤسسات مالية دولية. وبالتالي فإن رئيس هيئة السوق المالية لا يدير مجرد جهاز رقابي، وإنما يقود جهة يمكن لقراراتها أن تؤثر في ثقة المستثمرين، وفي تكلفة رأس المال للشركات، وفي جاذبية السوق للاستثمارات الأجنبية، وفي مستوى الشفافية والحوكمة، وفي قدرة السوق على المنافسة إقليميًا ودوليًا. كل ذلك يجعل اختيار رئيس الهيئة قرارًا يتجاوز حدود الإدارة الداخلية، ويقترب أكثر من كونه قرارًا اقتصاديًا وطنيًا.
ومن هنا يمكن فهم منح رئيس الهيئة مرتبة وزير أيضًا؛ فالأمر لا يتعلق بمنصب إداري عادي، وإنما بقيادة مؤسسة ذات تأثير مباشر في الاقتصاد الوطني. وعندما تكون السوق المالية بهذا الحجم، فمن الطبيعي أن يكون اختيار قيادتها في مستوى يتناسب مع حجم مسؤوليتها. وهذا لا يعني أن الرئيس يجب أن يتدخل في تفاصيل السوق اليومية، بل يعني أن موقعه القيادي يجب أن يمتلك من القوة والمرجعية ما يمكنه من قيادة الجهة التنظيمية واتخاذ القرارات التي قد لا تكون دائمًا مريحة لجميع المشاركين في السوق.
في النهاية، لا أعتقد أن السؤال الصحيح هو: لماذا لا يختار مجلس هيئة السوق المالية رئيسه بنفسه؟ ولا أعتقد أن السؤال الأهم هو ما إذا كان التعيين الملكي يتعارض مع استقلالية الهيئة. السؤال الأكثر دقة هو: ما النموذج الذي يضمن أن رئيس الجهة المنظمة للسوق يتمتع بأكبر قدر ممكن من الاستقلال عن المصالح التي ينظمها، وفي الوقت نفسه يمتلك القوة والمرجعية اللازمة لاتخاذ القرارات التي تخدم السوق والاقتصاد الوطني؟
وبالنظر إلى طبيعة هيئة السوق المالية السعودية، أعتقد أن التعيين الملكي هو الأقرب لتحقيق هذا التوازن. فالهيئة ليست شركة حتى تكون قيادتها مرتبطة بمصالح مساهمين، وليست وزارة حتى تكون مجرد جهة تنفيذية تقليدية، وإنما هي مؤسسة تنظيمية مستقلة ذات تأثير مباشر في الاقتصاد الوطني. ولذلك فإن ارتباط قيادتها العليا بالقرار الملكي يمنحها مرجعية قوية، ويحميها من أن تصبح قيادتها مرتبطة بمصالح أي طرف داخل السوق، ويعطي قرار التعيين وزنًا يتناسب مع أهمية المؤسسة التي يقودها. ولهذا أعتقد أن بقاء قرار تعيين رئيس هيئة السوق المالية بأمر ملكي هو ليس فقط خيارًا نظاميًا، وإنما الخيار الأكثر ملاءمة واستقلالية وقوة لطبيعة السوق ومستقبلها.
خاص_الفابيتا


