تتصاعد التحديات الاقتصادية والجيوسياسية على المستويين الإقليمي والعالمي، وما يصاحبها من ضغوط متزايدة على آفاق النمو الاقتصادي. وفي هذا السياق، يتوقع صندوق النقد الدولي تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي إلى 3.1% خلال عام 2026، مقارنة بنحو 3.5% في عام 2025 و3.3% في عام 2024.
ورغم هذه التحديات، أظهرت الميزانية العامة للمملكة العربية السعودية أداءً مالياً جيداً، يعكس متانة الاقتصاد السعودي وقدرته على التكيف مع المتغيرات العالمية.
فقد بلغ إجمالي إيرادات الميزانية العامة للمملكة نحو 858.9 مليار ريال خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، بارتفاع بلغت نسبته 3% مقارنة بنحو 835.1 مليار ريال خلال الفترة المماثلة من عام 2025. وفي المقابل، بلغ إجمالي النفقات نحو 1,103.2 مليار ريال خلال الفترة نفسها، بارتفاع بلغت نسبته 8% مقارنة بنحو 1,016.8 مليار ريال خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025.
ورغم الارتفاع المحدود نسبياً في إجمالي الإيرادات، فإن هذا النمو يُعد إيجابياً في ظل التحديات الاقتصادية والجيوسياسية المحيطة. إلا أن ارتفاع النفقات بوتيرة أسرع من الإيرادات أسهم في تسجيل الميزانية العامة للمملكة عجزاً مالياً بلغ نحو 244.3 مليار ريال خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026.
ومن المهم جدًا التأكيد أن العجز المالي المسجّل في الميزانية العامة للمملكة يأتي في إطار توجه استراتيجي يعكس استمرار الحكومة السعودية في تبنّي سياسة إنفاق توسعية ومدروسة، تستهدف تحقيق التوازن المالي والاقتصادي على امتداد الدورات الاقتصادية، وليس بالضرورة خلال كل سنة مالية على حدة.
ويأتي ذلك في سياق تبنّي سياسة مالية معاكسة للدورة الاقتصادية، تهدف إلى دعم النمو الاقتصادي وتعزيز الأثر الاجتماعي والاقتصادي للإنفاق الحكومي، بما ينسجم مع أولويات ومستهدفات رؤية السعودية 2030.
كما يعكس الأداء العام للميزانية قدرة السياسات المالية والاقتصادية للمملكة على احتواء تداعيات العديد من المخاطر والتحديات الاقتصادية والجيوسياسية، والحد من آثارها على الاقتصاد الوطني، بما يعزز مرونته وقدرته على الصمود والتكيف مع التقلبات والمتغيرات الإقليمية والعالمية.
ومن أبرز المؤشرات الإيجابية في الأداء المالي للميزانية العامة للمملكة حتى نهاية الربع الثالث من عام 2026، ارتفاع الإيرادات غير النفطية إلى نحو 412.5 مليار ريال، بنمو نسبته 8% مقارنة بنحو 382.7 مليار ريال خلال الفترة المماثلة من عام 2025.
وفي المقابل، سجلت الإيرادات النفطية تراجعاً محدوداً بنسبة 1%، لتبلغ نحو 446.3 مليار ريال، مقارنة بنحو 452.4 مليار ريال خلال الفترة المماثلة من عام 2025.
ومن أبرز المؤشرات المالية أيضاً، ارتفاع الإنفاق على المنافع الاجتماعية إلى نحو 92.9 مليار ريال خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، بنمو نسبته 8% مقارنة بنحو 86.2 مليار ريال خلال الفترة المماثلة من عام 2025. ويعكس هذا الارتفاع استمرار اهتمام الحكومة ببرامج الحماية الاجتماعية والمحافظة عليها، باعتبارها إحدى الأولويات المحورية في سياساتها المالية والاجتماعية.
وفي السياق ذاته، بلغ الإنفاق على قطاع الصحة والتنمية الاجتماعية نحو 230.8 مليار ريال حتى نهاية الربع الثالث من عام 2026، بارتفاع نسبته 4% مقارنة بنحو 222.2 مليار ريال خلال الفترة المماثلة من عام 2025. ويعكس هذا التوجه استمرار إعطاء الأولوية لرعاية المواطن السعودي وتعزيز جودة حياته، بوصفهما ركيزتين أساسيتين في مسيرة التنمية المستدامة، بما يتسق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
وفي قطاع التعليم، بلغ إجمالي الإنفاق نحو 159.3 مليار ريال خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، بارتفاع نسبته 2% مقارنة بنحو 156.8 مليار ريال خلال الفترة المماثلة من عام 2025.
ويعكس هذا الإنفاق استمرار الاستثمار في تنمية رأس المال البشري السعودي، وتطوير قدراته ومهاراته وتأهيله لمتطلبات المستقبل، بما يعزز دوره في دعم التنمية الاقتصادية المستدامة وتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030.
ومن اللافت في النتائج المالية للميزانية العامة للمملكة ارتفاع الإنفاق العسكري إلى نحو 187.5 مليار ريال خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، بنمو نسبته 9% مقارنة بنحو 172.7 مليار ريال خلال الفترة المماثلة من عام 2025.
ويأتي هذا الارتفاع في سياق التطورات الجيوسياسية والتحديات الأمنية التي تشهدها المنطقة، بما يعكس أهمية مواصلة تعزيز القدرات الدفاعية للمملكة، وحماية أمنها واستقرارها ومقدراتها الوطنية، إلى جانب دعم تطوير صناعاتها العسكرية ورفع جاهزيتها لمواجهة المتغيرات الإقليمية.
وفي المحصلة، تعكس نتائج الميزانية العامة للمملكة حتى نهاية الربع الثالث من عام 2026 متانة المركز المالي للدولة، وقدرة الاقتصاد السعودي على مواجهة التحديات والتطورات الجيوسياسية، والتكيف مع المتغيرات الإقليمية والعالمية بمرونة عالية.
كما تعكس استمرار تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية وتبنّي السياسات المالية المرنة، مدعومة بالتخطيط المالي طويل المدى والاستثمارات النوعية التي أسهمت في تعزيز جاهزية البنية التحتية والخدمات اللوجستية، بما يدعم الاستدامة المالية والنمو الاقتصادي المستدام، انسجاماً مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
وفي هذا السياق، برزت مرونة منظومة إمدادات الطاقة السعودية وقدرتها على الحد من تداعيات التطورات الجيوسياسية، من خلال استمرار تدفق الصادرات النفطية عبر مسارات متعددة، بما يسهم في دعم استقرار أسواق الطاقة العالمية وتلبية احتياجات الشركاء الدوليين.
نقلا عن الرياض


