محفظة النفوذ.. من يستثمر ومن يضارب؟

25/10/2026 0
محمد العنقري

لا تقاس قوة الدولة في علاقاتها الخارجية بعدد سفاراتها أو اتفاقياتها بل بقدرتها على بناء شبكة مصالح سياسية واقتصادية واستثمارية تبقى قائمة مهما تغيرت الظروف ويمكن النظر إلى هذه الشبكة بوصفها محفظة تبنيها الدول كما يبني المستثمر محفظة أسهمه فالعلاقات هي الأصول والنفوذ هو العائد المنتظر منها.

فالمستثمر الرشيد لا يضع أمواله في أصل واحد بل ينتقي ويوزع المخاطر ويراجع مراكزه ويبحث عن عائد مستدام وهو مشابه لما تقوم به الدول الحصيفة حيث تقوم علاقاتها على تنوع شركائها من حكومات وشركات ومؤسسات وأسواق وتحالفات عديدة ويكون مبدأ الاختيار قائما على ما يمنحها قيمة مضافة طويلة الأجل وكلما تراكمت المصالح بين دولتين زادت المنفعة المتحققة منها، وهي منفعة تكشف حجم الخسارة لو سادت العلاقة قطيعة أو برود يخفض التعاون بينهما.

لكن من المهم أيضا ذكر اختلاف الدول في كيفية بناء علاقاتها وفق إستراتيجية تعكس تطلعاتها فهي لا تتشابه في أساليبها فبعضها يستثمر في الأصول القوية من دول مستقرة ومؤسسات راسخة وأسواق واعدة وشراكات تجارية وتقنية وتعليمية وأمنية تنمو بمرور الوقت، وبعضها يركز رهاناته على الدول الهشة ويرى في ضعف المؤسسات والانقسامات الداخلية فرصة لشراء النفوذ بثمن زهيد عبر دعم أطراف مسلحة أو قوى موازية للدولة، وتقدم الحالة الإيرانية مثالا على هذا النهج بحسب ما وثقته تقارير دولية عن التمويل والتدريب والتسليح لجماعات حليفة في أكثر من دولة في المنطقة.

وفي لغة الأسواق يشبه هذا النهج المضاربة في أصول عالية المخاطر. فقد يحقق مكاسب سريعة وأوراق ضغط في الملفات الأمنية والسياسية لكنه عائد متقلب لا يمكن البناء عليه. فالأصل الهش لا يضمن استقراره ولا يستطيع المستثمر فيه ضبط قراراته كما أن النفوذ الذي ينمو في بيئة مضطربة يتحول مع الوقت إلى التزام مفتوح فيستنزف صاحبه سياسيا وأمنيا واقتصاديا، ويترك أثرا أبعد في الدولة الهشة أساسا حين يضعف هذا التدخل السلبي من سلطتها ويعقد صراعاتها ويحرمها من الاستقرار الذي تنعدم فيه القدرة لبناء أي مصلحة اقتصادية مع العالم، وبذلك يتضح أن النفوذ الرخيص أعلى تكلفة مما يظن المندفعون للاستثمار به.

ومن هنا يظهر الفرق الأساسي. بين العلاقة مع الدولة ومؤسساتها التي تهدف إلى توسيع المصالح المشتركة وتعزيز الاستقرار، وتلك العلاقة التي ترتبط مع طرف ينازع الدولة سلطتها فتسعى إلى امتلاك أدوات التأثير حتى لو دفع المجتمع ثمنها يضاف لكل ذلك المعيار الحاسم الذي يحدد شكل العلاقة سواء كانت رسمية أم غير رسمية وهو طبيعتها وأهدافها ووسائلها ومدى احترامها لسيادة الدولة.

ولذلك فإن تقييم أي محفظة نفوذ يمر عبر أسئلة تشبه لحد كبير أسئلة المستثمرين على غرار ما هي درجة تنوع الشركاء وما عمق المصالح الاقتصادية المشتركة وما قدرة التحالفات على الصمود وكيف تدار المخاطر وهل يتحول النفوذ إلى عوائد مستقرة أم يبقى رصيدا هشا قابلا للانهيار؟

في عالم تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد والأمن والتجارة تكشف محفظة النفوذ عن إستراتيجية الدولة أكثر مما تكشفه خطاباتها، فهي توضح أين تضع حضورها الخارجي ونوع النفوذ الذي تريده وما تقبله من كلفة، فالدولة الرابحة في النهاية ليست فقط التي تملك أكبر قدر من النفوذ بل أيضا التي تنتقي شركاءها بعناية وتحول تحالفها وعلاقتها معهم إلى مصالح راسخة تدوم.

 

نقلا عن الجزيرة