هل تدفع الآلة ضرائب؟

02/11/2026 0
د. عبدالله الردادي

في صيف 1939، وبينما كان المعرض العالمي في نيويورك يعرض على زوّاره «عالم الغد»، كتب هنري فورد مقالاً في «نيويورك تايمز» يدافع فيه عن الآلة أمام جيل أرهقه الكساد، وحجته أن من يريد أن يعيد العاطلين إلى العمل بتحطيم الآلات، يحطّم الشيء الوحيد الذي يصنع وظائفهم، وأن كل وظيفة تأخذها الآلة تخلق مائة غيرها. وبعد أشهر قليلة، في مطلع 1940، قدّم السيناتور جوزيف أومهوني مشروع قانون يفرض عقوبة ضريبية على كل صاحب عمل يستخدم من الآلات «أكثر من المتوسط»، ويمنح خصماً لمن يوظّف بشراً أكثر، وكان منطقه من البساطة بحيث يفهمه أي دافع ضرائب: الرجل العامل يدفع ضريبة، والآلة التي تحل محله لا تدفع شيئاً. ولكن المشروع مات في أدراج الكونغرس، وجاءت ثمانون عاماً من نمو الوظائف لتنتصر لفورد. غير أن السؤال الذي طرحه أومهوني لم يمت معه: إذا أخذت الآلة الوظيفة، فهل تأخذ معها الضريبة؟ ومن يملأ خزينة الدولة بعدها؟

ما أعاد السؤال إلى الواجهة هذا الأسبوع ليس ورقة بحثية، بل رسالة داخلية؛ ففي 26 أكتوبر (تشرين الأول) عرضت «مايكروسوفت» على نحو 60 ألفاً من موظفيها؛ أي 27 في المائة من قوتها العاملة في العالم، أن يغادروا الشركة طوعاً مقابل حزمة مالية. هذا العرض جاء في الشهر نفسه الذي بلغ فيه سهمها قمته التاريخية؛ أي إن «مايكروسوفت» ليست في حالة انكماش، بل أنفقت هذا العام 175 مليار دولار على مراكز البيانات والرقائق. هذا هو الدليل الذي لم يكن في يد أومهوني يوم وقف في مجلس الشيوخ؛ فالآلة لا تجعل الشركة تنتج أكثر فقط، بل تغيّر عدد البشر الذي تحتاجه لتنتج، وتجعل رواتبهم المصدر الذي تُموَّل منه. ولإنصاف «مايكروسوفت»، فالعرض طوعي لا إجباري أو تعسفي، والشركة لم تذكر الذكاء الاصطناعي سبباً، وتتوقع أن يقبله عدد أقل ممن قبلوا عرضاً سابقاً في أبريل (نيسان) المنصرم، لكن الاتجاه أوضح من أن تخفيه صياغة بيان.

كيف تتضرر خزينة الدول إذاً؟ في الولايات المتحدة يأتي نحو 85 في المائة من إيرادات الحكومة الفيدرالية من ضرائب الدخل والرواتب؛ أي من أناس يتقاضون أجراً يُخصم منه قبل أن يصل إلى جيوبهم. ولخزينة الدولة الحديثة عنوان واحد تقريباً هو كشف الراتب، وكل دولار يغادر الكشف يغادر الخزينة، وحين ينتقل الدخل من أجر موظف إلى عائد آلة، فإنه ينتقل من الوعاء الأثقل ضريبةً إلى الوعاء الأخف، ولا يحتاج الأمر إلى أن تختفي الوظائف كلها، بل يكفي أن يتغير مزيج الدخل قليلاً كل عام.

والسؤال التالي أشد عملية: كيف تُفرض ضريبة على شيء لا جسد له ولا عنوان؟ وقد صدر تقرير عن معهد «بروكينغز» قبل أيام قلّب الخيارات المطروحة، وكلها يسقط في موضعٍ ما؛ فالضريبة على كهرباء مراكز البيانات سهلة الجمع لأن العداد يقيسها، لكن العداد لا يميّز بين تدريب نموذج ذكي وبثّ فيلم على شاشة، والضريبة على كل استخدام تضرب النافع مع الضار، فتُكلّف الطبيب الذي يستعين بالآلة كما تُكلّف من يستبدلها بموظفيه، وضريبة الروبوت الصريحة، وريثة فكرة أومهوني، تصطدم بسؤال عمره ثمانون عاماً: كيف تميّز الآلة التي تحل محل الإنسان من آلة فورد التي تساعده؟

ثم السؤال الذي يقرر مصير أي ضريبة: من يدفعها فعلاً؟ ولذلك ثلاثة مسارات لا رابع لها: إما أن تنتقل إلى الأسعار فيدفعها المستهلك الذي أرادت الضريبة حمايته، أو ينتقل تدريب النماذج ومراكزها إلى بلد لا يفرضها فتخسر الدولة الضريبة والصناعة معاً، أو تُبطئ الأداة التي ترفع إنتاجية العمال أنفسهم لا التي تستبدلهم. وهنا تعود حجة فورد في ثوب اقتصادي: الضريبة على الآلة ضريبة على بقائها في البلد.

ولأنصار الضريبة ما يقولونه؛ فغايتها عندهم ليست الإيراد، بل الزمن، أن تموّل من يفقدون وظائفهم، وأن تبطئ الإزاحة بما يكفي ليتكيف الناس، كما تكيفوا مع كل آلة سابقة، لكن على مدى جيل لا على مدى عقد. ويقف في الجهة المقابلة من يرى الخوف كله مبكراً؛ فمسح شمل 9 آلاف تنفيذي في 7 دول، نشره المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية هذا الشهر، يجد أن الذكاء الاصطناعي لم يترك أثراً صافياً على التوظيف خلال السنوات الثلاث الماضية، ولا يتوقع له التنفيذيون أثراً في الثلاث القادمة. وإن كان الرقم الصافي يخفي حركة واسعة من وظائف تُلغى وأخرى تُستحدث، فالقارئ أمام صورتين صادقتين معاً: «مايكروسوفت» تقول إن العدد يتغير، والمسح يقول إن المجموع لم يتغير بعد.

وقد خلص تقرير «بروكينغز» إلى أن ميزة الضريبة الخاصة بالآلة سياسية لا اقتصادية؛ فهي سهلة الشرح للناخب، وصعبة الجمع من الشركة. أما البديل الذي يقترحه الاقتصاديون فأقل جاذبية وأكثر نفعاً: أن تُنقل الخزينة من كشف الراتب إلى الدخل أياً كان مصدره، أجراً كان أو ربحاً أو عائد آلة، عبر ضرائب على رأس المال أو على الاستهلاك لا تسأل كيف صُنع الدخل، بل أين ذهب، فالسؤال الصحيح ليس كيف نعاقب الآلة، بل كيف نبني خزينة لا تفترض أن كل دخل يمشي على قدمين. وقد أصاب أومهوني في التشخيص وأخطأ في الوصفة؛ فالآلة لا تدفع ضريبة لأنها لا تملك شيئاً، ومن يملكها هو الذي ينبغي أن تصل إليه يد الخزانة. وكان فورد على حق ثمانين عاماً كاملة، حتى جاءت «مايكروسوفت» بتصرفها الأخير!

 

نقلا عن الشرق الأوسط