قراءة في مشروع هيئة السوق المالية لمناقشة الأداء في تقارير مجالس الإدارة
قراءة في القوائم (1)
«يعود الارتفاع في الإيرادات إلى نمو المبيعات، ويعود الانخفاض في صافي الربح إلى ارتفاع التكاليف». كُتبت هذه الجملة، بصيغ تكاد تتطابق، في مئات تقارير مجالس الإدارة التي نُشرت في السوق السعودية خلال العقد الماضي، وكتبتُها بنفسي أكثر من مرة. ليست كذباً ولا خطأ؛ غير أنها لا تقول شيئاً لم يكن في الجدول الذي فوقها. وهذا تحديداً ما تسعى هيئة السوق المالية إلى إنهائه بمشروع طرحته هذا الأسبوع.
في الحادي والعشرين من أكتوبر طرحت الهيئة للاستطلاع مشروعاً يُلزم مجالس إدارات الشركات المدرجة في السوق الرئيسية، وهي أكثر من مئتي شركة، بأن يتضمن تقريرها السنوي قسماً مستقلاً بعنوان «مناقشة وتحليل الأداء المالي والتشغيلي والمركز المالي»، ويجعله استرشادياً لشركات السوق الموازية سنةً قبل أن يلزمها. الفكرة قديمة في الأسواق التي سبقتنا — فالسوق الأمريكية تطلب هذا القسم منذ ثمانينيات القرن الماضي والبريطانية منذ 2013 — وجديدة عندنا: أن تكتب الإدارة بنفسها، وبلغة مفهومة، لماذا جاءت الأرقام كما جاءت، وما الذي يُتوقع أن يغيّرها. أما الصيغة السائدة اليوم فجدول للنتائج على خمس سنوات، وجدول للأصول والخصوم، وفقرة أو فقرتان تعيدان قراءة الجدول بالكلمات. والمادة السابعة والثمانون من لائحة حوكمة الشركات، التي تحكم هذا الباب، تطلب عناصر الإفصاح وإيضاح الفروق الجوهرية، ولا تطلب تحليلاً متكاملاً يربط الأرقام بأسبابها، فجاء التنفيذ على قدر الطلب.
المشروع يرفع السقف في ثلاثة أبواب. الأول تحليل الأداء: لن يكفي أن يُقال إن التكاليف ارتفعت، بل ينبغي أن يُبيَّن أيُّها ارتفع ولماذا، وما الذي كان غير متكرر وما مقدار أثره، ولماذا اختلفت النتيجة التشغيلية عن النتيجة النهائية، وأيُّ تقدير محاسبي أحدث الفرق. الثاني السيولة والملاءة والموارد الرأسمالية: لماذا بلغ صافي الربح رقماً والتدفق النقدي من التشغيل رقماً آخر، وما مصادر السيولة، وما الذي يُموَّل خارج الميزانية، وما الاتجاهات التي قد تمسّ الاستمرارية. الثالث المستقبل: الاتجاهات والشكوك التي يُرجَّح أن تؤثر في النتائج، بأثر كمي متى أمكن تقديره. وفي الأبواب الثلاثة يُسند التحليل إلى مؤشرات أداء مالية وغير مالية تُقارن بالسنة السابقة.
من جلس في مقعد المدير المالي يعرف أن هذا القسم، لو كُتب كما يطلبه المشروع، لكان أثقل صفحات التقرير وأكثرها خطورة، لأنه الموضع الوحيد الذي تُسأل فيه الإدارة أن تقول رأيها في أرقامها لا أن تعرضها. ولهذا فإن قيمة المشروع لا تُقاس بما يطلبه بل بما يحول دون الالتفاف عليه. وهنا أربعة مواضع أرى أن المسودة تركتها مفتوحة، وأولها هو الذي يحسم أيصير القسم مناقشةً صادقة أم معرضاً للأرقام المختارة؛ أما الثلاثة الباقية فمن باب التحسين.
الأول ما يسميه المنظمون مقاييس الأداء البديلة. المشروع يطلب هوامش الربحية والعائد على رأس المال ومعدلات النمو، ويكتفي بأن تكون مرتبطة بالقوائم المراجعة، والصلة ليست المطابقة؛ فلا يطلب تعريف المؤشر، ولا جدولاً يردّه إلى أقرب بند في القوائم، ولا ثبات احتسابه من سنة إلى أخرى. وتجربة الأسواق التي سبقتنا تقول إن القسم الذي لا يُلزم بالمطابقة يتحول إلى معرض للربح المعدّل: تُستبعد منه البنود غير المتكررة التي تتكرر، فيظهر رقم لا يوجد في القوائم ويُقرأ كأنه منها. المطابقة بجدول واحد تغلق هذا الباب.
الثاني القطاعات. المشروع يتحدث عن الشركة كأنها نشاط واحد، في حين أن معظم ما يُخفى في القوائم يُخفى بالتجميع: قطاع يخسر وقطاع يربح، ورقم واحد في الوسط. التحليل الذي لا ينزل إلى مستوى القطاعات التشغيلية المفصح عنها في الإيضاحات يعيد إنتاج التجميع بلغة أطول.
الثالث موقع مراجع الحسابات. هذا القسم يقع في تقرير مجلس الإدارة لا في القوائم، فهو بحكم تعريفه من «المعلومات الأخرى» التي يقرؤها المراجع ليتأكد من عدم تعارضها مع القوائم، ولا يبدي رأياً فيها. ليس في هذا عيب إن قيل صراحة، لكن القارئ لا يعرفه، وسيقرأ القسم بثقة القوائم المراجعة ما لم تُلزَم الشركات بأن تبيّن فيه حدود ما خضع للمراجعة وما لم يخضع.
الرابع التوقيت. المشروع نفسه منح السوق الموازية سنة استرشادية قبل الإلزام، في حين جعل الإلزام على السوق الرئيسية من أول تقرير يصدر بعد الموافقة. فإن صدرت الموافقة في مطلع 2027 وجب على الشركات الرئيسية، وهي الأكبر والأعقد، أن تكتب هذا القسم عن سنة 2026 في الأسابيع نفسها التي تُغلق فيها حساباتها، بلا نموذج استرشادي ولا سابقة، بينما تُمهَل الموازية سنة. ما يحدث عادة في مثل هذه الحالة أن تُكتب النسخة الأولى بالحد الأدنى، ثم يصير الحد الأدنى عرفاً. السنة الانتقالية التي أُعطيت للموازية تستحقها الرئيسية أيضاً، مع نموذج توضيحي من الهيئة يجعل النسخة الأولى هي المعيار لا الحد الأدنى.
ولأن المشروع لم يُكتب في فراغ، يحسن أن يُقرأ على حالة قائمة. شركة نماء للكيماويات، المعلّق سهمها منذ الثلاثين من أبريل لتأخر قوائمها السنوية، كتبت في السابع عشر من أغسطس إعلاناً شرحت فيه أن استكمال مراجعتها ينتظر تمويلاً مشروطاً وإعادة هيكلة قروض وتقييماً لافتراض الاستمرارية. لو كان هذا المشروع نافذاً حين كُتب تقرير مجلس إدارتها عن سنة 2024، لكان الباب الثاني منه، السيولة والملاءة والشكوك المؤثرة في الاستمرارية، يقتضي أن تكتب الإدارة شيئاً من هذا بنفسها، في موضع يُقرأ، قبل سنة من إعلان أغسطس. وسواء كان مراجعها قد أشار إلى ذلك في تقريره أم لا، فالفرق بين إيضاح يكتبه المراجع في ذيل القوائم وفقرة تكتبها الإدارة في صدر التقرير هو الفرق الذي يقوم عليه المشروع كله. المشروع إذن لا يضيف صفحات إلى التقرير السنوي؛ إنه ينقل لحظة الاعتراف من إعلان التأخر إلى التقرير الذي يسبقه. وهذا وحده يستحق أن يُدعم، وأن تُحكَم مواضعه الأربعة قبل أن يصبح لائحة.
خاص_الفابيتا


