الذكاء الصناعي بين الاستثمار والتطبيق

19/05/2026 0
فواز حمد الفواز

هناك هجمة استثمارية على الذكاء الاصطناعي رغبة في الأخذ بآخر ما توصلت إليه التقنية، وبالتالي تحديث الاقتصاد، وحتى خوفاً من أن يفوتنا قطار التنمية في منعطف جديد. هناك توجه عام مؤثر نحو الاستثمار فيه، حيث لفت نظري مقابلة حديثة مع رئيس شركة "الخزانة - كابتال" بأن هناك فجوة تمويلية تصل إلى عشرات المليارات، خاصة أن المعروف عن هذه التقنية مدى تكلفتها والمدى الواسع مجتمعياً من الترابط مع الطاقة إلى التمكين اللغوي والقاعدة المعلوماتية والمرونة العملية، كل هذا في ظل طفرة في الأسعار. ليس هناك خلاف على أهمية تقنية الذكاء الاصطناعي، لكن التحدي في نظري يتمحور حول السياق والتأطير المناسب للاستثمار فيها. المقارنة الموضوعية لا بد أن تكون بين التجربة السعودية مع الحاسوبية والشبكة العنكبوتية من ناحية، والذكاء الاصطناعي من ناحية أخرى، وبين توفير المقدرات لتأسيس الصناعة وبين تعظيم الاستفادة من التطبيقات من ناحية أخرى.

التجربة السعودية بقيادة المركز الوطني للمعلومات رائعة بكل المقاييس، وتطورت لتصبح الحكومة الإلكترونية في المتناول كما يعرف كل مواطن ومقيم وزائر، كذلك كان للبنك المركزي مساهمة في تطوير نظام المدفوعات وتوفير المعلومات المالية. تجربة يغلب عليها القدرة على تطويع وتسخير التقنية تطبيقياً، ونعم تطوير بعض المنتجات والتطبيقات، ولكنها تختلف عن زرع التقنية كصناعة. لا أعرف تكاليف ما تم إنجازه، وربما ليس هناك من يعرف؛ لأن التجربة طويلة من ناحية حيث بدأت في السبعينيات، ومن ناحية أخرى صعوبة التبويب والقياس الاقتصادي. ما تم إنجازه يتعدى التكلفة المالية المباشرة؛ لأنه جزء أساس من البنية التحتية للسعودية أمنياً واقتصادياً وإدارياً. لعل السؤال: هل السياق مختلف أم أننا أمام تجربة مختلفة في النوع والدرجة؟

نادراً ما تكون الإجابة قطعية أو أن هناك تناقضاً مبدئياً بين الأخذ بالتطبيقات وعدم الخلط بينها وبين زراعة التقنية كما يعد بعض البائعين، أو الجري خلف المثير دون تفكير في السياق والتأطير الأمثل للحالة السعودية. في المدى القصير والمتوسط لا بد من السيطرة وتسخير أهم التطبيقات النافعة للاقتصاد، والتي تعظم الاستفادة من القاعدة المعلوماتية والرقمية لدينا. في المدى الطويل لا بد أن نصل إلى النقطة الحرجة في التحول من مستفيد للتطبيقات إلى صانع للمحتوى والتطبيق، وتعظيم الاستفادة في نواحٍ فرعية وجزئية لن يعرفها غير المبدع والقريب والمتفاعل مع الاحتياجات والتحديات كلما ظهرت، وهذه سوف تكون في كل قطاع وربما قطاعات جديدة.

في الاقتصاد لا بد من الخيارات؛ لأن الطموح والحاجات الاستثمارية أكثر من المال، ولذلك لا بد من قراءة دقيقة للمرحلة والتأطير المناسب، ومن ثم التوازن بين المدى القصير والطويل من ناحية، وتوظيف المال لأعلى فاعلية ممكنة، خاصة أن هناك تحديات مالية معتبرة. من المخاطر الركض خلف المستجدات والاستماع للباعة لاستغلال الطفرة الاستثمارية في الخارج، وتفادي المبالغة في تعدد الجهات التنفيذية والرقابية؛ لأن الإبداع يتطلب قبول درجة من الفوضى المقننة والمنافسة. لعل الأنسب عدة خطوات في آن واحد، منها استمرار المركز الوطني والبنك المركزي في قيادة التطبيقات المثلى، ودور أكبر لهيئة الإحصاءات العامة في توفير قاعدة معلومات تفاعلية، وتشجيع التجارب العملية من خلال تطبيقات مختارة، وتشجيع المبادرين في السعودية، خاصة السعوديين، حيث هناك سنوياً مئات من خريجي تخصصات الحاسب وتفرعاتها بما فيها الذكاء الاصطناعي، وكذلك تشجيع بعض السعوديين للعمل في الخارج لتسهيل نقل فاعل للتقنية.

 

خاص_الفابيتا