الأزمات الاختبار الأكبر للنموذج الاقتصادي المستدام

13/05/2026 0
محمد العنقري

عندما تختار الدول نموذج اقتصادها تسعى لأن يكون محققاً لعدة أهداف أساسية كاستثمار الثروات والجغرافيا، وتأهيل وتوظيف رأس المال البشري وبالطبع جذب الاستثمار وكذلك بناء علاقات تجارية دولية واسعة يكون الميزان التجاري إيجابياً لصالحها غالباً، مع التركيز على نمو الصادرات لزيادة التدفق النقدي الأجنبي، ولكن كل ما سبق يعد ركائز لعامل واحد له الأهمية القصوى، والمقصود أن يكون النموذج مستداماً قائماً على التنوع بالأنشطة ومصادر الدخل وكذلك التوازن في مزيج نسب الاستثمارات ما بين الداخلي الحكومي والقطاع الخاص والأجنبي بمختلف أنواعه، سواء تمويل أو تأسيس مشاريع منتجة وكذلك المحافظة على نسبة معتدلة للديون السيادية، والقدرة على الالتزام بتنفيذ المشاريع وتطوير البنى التحتية وفق حيز مالي ملائم وبسياسة نقدية تحافظ على نمو الاقتصاد والسيطرة على التضخم.

ولكن ما يعد اختبارا حقيقيا لمدى استدامة أي نموذج يتم اختياره هي الأزمات الكبرى التي تكشف مدى قوة النظام المالي والتشغيلي، وكذلك سلاسل الإمداد والمخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية وتوفير الموارد الاقتصادية من مصادر متعددة والقدرة على استيعاب صدمات تلك الأزمات بما يحولها لفرص مستقبلية، حيث تكتشف الحاجة لضخ استثماري بقطاعات جديدة أو توسع بالقائمة منها، فأزمة الحرب الحالية بين أميركا وإيران كشفت عن ثغرة كبيرة لا يمكن التعامل معها كما حدث سابقا والمتمثلة بتعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز؛ نظراً لأن 20 بالمائة من النفط المصدر عالميا يعبر منه إضافة لمجموعة كبيرة من المنتجات البتروكيماوية والكيماوية المهمة، وكذلك تعطيل شحن السلع بمختلف أنواعها لدول الخليج العربي.

فقد تأثرت الملاحة سابقا عبر المضيق أكثر من مرة خلال العقود الخمسة الماضية ولكنها كانت محدودة الأثر، لكن الأزمة الحالية شكلت أكبر أزمة طاقة بالعالم وهو ما يعني فعلياً أن التعامل مع مفرزات هذه الحرب لن تكون كما السابق بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، وهنا لابد من النظر إلى النموذج الذي حقق نجاحاً كبيراً في هذه الأزمة الكبرى وأثبت أنه بني على استراتيجيات تجعل استدامته قوية وهو نموذج الاقتصاد السعودي، فمن مد خط أنابيب شرق لغرب المملكة لنقل ملايين براميل النفط يومياً التي أعطت الاطمئنان لأسواق الطاقة بشهادة مسؤولي الدول الأكبر استهلاكاً للطاقة إلى توسع بالموانئ على البحر الأحمر، وكذلك شبكة طرق برية ضخمة عالمية المواصفات يضاف لها عدد كبير من المطارات الدولية والإقليمية والمحلية بتجهيز عالي المستوى، وكذلك شبكة خطوط حديدية ربطت مناطق عديدة إضافة إلى مراكز لوجستية ومدن صناعية واقتصادية وبنية رقمية متقدمة وشبكة مالية متطورة وتعامل تقني ذكي مع كافة الإجراءات والمعاملات مما يسهل تنفيذ الأعمال بسرعة ودقة عالية.

لكن عند النظر في تفاصيل هذه الاستثمارات الضخمة نجد أن جلها بتمويل وملكية محلية سواء القطاع الحكومي عبر مشاريع الوزارات والهيئات، وكذلك الدور البارز جداً لصندوق الاستثمارات العامة الذي تمثل استثماراته المحلية حوالي 80 بالمائة من أصوله المدارة أو من القطاع الخاص، ويضاف لذلك نسبة جيدة من الاستثمار الأجنبي بقطاعات عديدة صناعية وزراعية وعقارية وخدمية وغير ذلك العديد من المجالات التي استثمر بها في الاقتصاد الوطني من شركات عالمية، كما بدأت العديد منها تنقل مقراتها للمملكة بأعداد تجاوزت المستهدف عند 480 لتصل إلى 700 شركة وذلك لثقتها الكبيرة بقوة الاقتصاد الوطني واستدامته بنمو كبير لسنوات قادمة، مدعوماً بملاءة مالية قوية وأنظمة جاذبة للاستثمار واستقرار ووزن دولي سياسي واقتصادي كبير، فالمملكة من دول مجموعة العشرين لأكبر اقتصادات العالم وحجم ناتجها تجاوز 1.3 تريليون دولار ونما ناتجها الإجمالي منذ اعتماد رؤية 2030 بحوالي 89 بالمائة في فترة تعد قصيرة نحو عشرة أعوام.

سر نجاح اقتصاد المملكة في أنه مبني على مقومات متوازنة جعلته يستوعب كل الأزمات التي مرت بالمنطقة والاقتصاد العالمي ويخرج منها أقوى؛ بفضل التخطيط الاستراتيجي للدولة وبتوجيه ودعم قيادتها والتأهيل والتدريب الذي أثمر عن كفاءات تشغل أهم وأكبر شركات المملكة وبالطبع جهاتها الرسمية ومرافقها الرئيسية من مطارات وموانئ وغير ذلك، فالاعتماد على الإمكانيات المحلية من تمويل وطاقات بشرية واستثمار الموارد المحلية حقق هذا النجاح، وهو ما يؤسس ويعزز استدامة النموذج الاقتصادي ويمنحه المرونة الكبيرة للتعامل مع أي تحديات وكذلك سرعة استثمار الفرص الجديدة.

فهذه الأزمة كما هو واضح ستثمر عن توجه لتغيير في سلاسل الإمداد وإعادة بناء خطوط تصدير النفط والغاز والمنتجات الخليجية عبر طرق عديدة سيبدأ الاستثمار بها فور الانتهاء من دراستها، فما أسسته المملكة من نموذج بمختلف قطاعاتها سيكون الأساس لتفعيل توجهات الاستثمارات الجديدة لتزداد حركة النشاط التجاري عبر جغرافيا المنطقة كلها ولن تنحصر بمضيق هرمز فقط، وسيكون الاعتماد على التقنية الحديثة والذكاء الاصطناعي حاضراً لرفع كفاءة التشغيل وتقليل الاعتماد على العمالة الكثيفة الوافدة المنخفضة الدخل والتأهيل، وسيكون التركيز على رأس مال بشري وطني مؤهل للتعامل مع التقنية الحديثة التي أصبح الاعتماد عليها واسعاً جداً.

نموذج المملكة الاقتصادي الذي وازن بين الاستثمار المحلي والخارجي بنسب أعطت المحلي الحصة الأكبر من الحجم والتأثير أثبت قوته ونجاحه، وبحسابات دقيقة تؤمن انسيابية عمل كافة القطاعات وبإمكانيات كبيرة أسست شركات وكيانات محلية قوية جداً، بعكس تبني نموذج اقتصادي قد يعتبر أن التركيز على الاستثمار الأجنبي وكذلك استيراد الخدمات أنها ميزة مع العولمة الاقتصادية والأفكار التي سادت بالعقود القليلة الماضية وبذات الدول التي تبنتها بالتخلي عنها وأولهم أميركا لأنها بنهاية المطاف غير مستدامة، إذ يمكن أن تغادر هذه الشركات أو الكوادر الأجنبية إذا وجدت فرصة أفضل بأي مكان بالعالم مما يرفع من تكلفة إعادة بناء الاقتصاد من جديد.

 

نقلا عن الجزيرة