لا زلت أتذكر أنني كتبت مقالًا أحذر من الفقاعة قبلها بحوالي أسبوع في فبراير 2006، فما إن أرسلت العمود إلى الجريدة إلا وأن طلبوا مني أن ينشر قبل موعده بأيام. فقاعة الأسهم السعودية لم تختلف عن غيرها، بدأت لأسباب منطقية – حالة تضخمية – فلوس كثيرة تلاحق أسهم قليلة. لكن التقييم البعيد عن الجوهر شيء والفقاعة شيء آخر، حيث بدأ البعد النفسي وحتى الشحن النفسي يسيطر على الناس ويتبادلون البطوليات في تحقيق الأرباح حتى من شركات يعرفون أن أداءها ضعيف وأحيانًا ضعيف جدًا. ساعد في ذلك مثل أي فقاعة في العالم استعداد المصارف بالإقراض والذي بعضه غير حميد، وإعلام اقتصادي جديد على شرح وتفسير الظواهر المالية. ساعد أيضًا تصريح لوزير المالية في حينه مع نهاية شهر ديسمبر 2005 حين كان المؤشر قريبًا من 17500 بأن حالة السوق بما معناه تعكس حالة انتعاش في الاقتصاد الوطني!. على حال في كل الفقاعات تضيع التصريحات والنصائح لأن الهيجان البشري أقوى من العقل. استمر المؤشر ليتخطى مستوى 21 ألف في فبراير 2006.
قبل الفقاعة كان السوق السعودي غير "منظم" وتلمس السلطات المعنية تأسيس هيئة السوق المالية، وهذه عملية طويلة أخذت سنوات وحتى عقود في دول سبقتنا. كما هو معروف دائمًا الأسواق تتحرك بأسرع من الجهات الرقابية حتى اليوم في الدول الأكثر تقدمًا، وبالتالي تجد العذر التاريخي للسلطات المالية والنقدية في حينه لأن السوق لم يكن جوهريًا في المعادلة الاقتصادية والمالية العامة. طبعًا ممكن كان تفادي بعض المبالغات والمزايدات ولكن هذا لم يحدث لأن التوجه العاطفي أسرع وأقوى لظاهرة جديدة. انفجار الفقاعة كان مدويًا ونقطة تحول كبيرة في مسيرة تطوير CMA. خسر الكثير خاصة من خصائص الفقاعة أن الكثير من العامة يدخل السوق متأخرًا بعد أن تصبح المكاسب حديث المجالس. الانخفاض الحاد أخاف الكثير والبعض لم يرجع للسوق حتى حينه. عام الانفجار والذي يليه كان فترة صحوة للجهات الرقابية ولملمة الجروح للكثير من المستثمرين والمضاربين. عام 2007 بقي عامًا ترقب وتمنيات لأن من خسر وهو جديد كان يعيش على أمل رجوع المؤشر!.
في 2008 أصبح بداية جديدة مختلفة نوعيًا في مستوى المتطلبات والشروط المالية والتنظيمية على الشركات وأصبحت الهيئة مركزية الدور ولديها سلطات فاعلة تنظيميًا ورقابيًا. لذلك أصنف عام 2008 أنه البداية الحقيقية للسوق المالية بصورتها الحديثة. تموجات وتذبذب الأسواق من طبيعتها وخاصة في اقتصاد يعكس الحالة النفطية إلى أن بدأنا مرحلة جديدة مع الرؤية. في كل ظاهرة وربما سوق هناك علاقة وثيقة مع الماضي القريب والحقائق العامة للاقتصاد. فمثلًا لا زالت التخارج سبب رئيس للطرح أكثر منه طرح لتمويل استثمارات توسعية في مجال أعمال الشركات. شهدت السنوات القليلة الماضية تكاثر الطروحات وهذه تخدم قاعدة توسع السوق وربما حتى تعميقه، ولكن تسارع الطروحات وضعف جودة البعض منها ضر بالسوق خاصة أن الحوكمة في الكثير من الشركات لا تزال تعاني من نقص. يقابل ذلك أيضًا أن الطروحات تخفف من احتمال تذبذبات حادة وإن لم تصل لمستوى فقاعة. الإشكالية أن بعض أبعاد الحوكمة لا يمكن اختصارها في متطلبات قائمة تنظيمية ورقية، لأن لب الحوكمة تفعيل إدارة الشركة لتنمية الاستثمارات بكفاءة وتنافسية للمدى البعيد لصالح ملاك الأسهم، والتغلب على ما يسميه الاقتصاديون إشكالية الوكيل – بمعنى أن الإدارات تعمل لصالحها بانحياز مقابل مصالح ملاك الأسهم. لا يمكن فصل الحوكمة جوهريًا عن طبيعة الاقتصاد وثقافة المكان والتي منها ما يسميه الاقتصاديون قوة الطريق المعتاد. إشكالية الحوكمة عميقة ومتشعبة ولذلك تحتاج ترويًا وتحليلًا.
التعافي من الفقاعات إذا عرف بأنه رجوع المؤشر إلى مستواه قبل الانفجار مغرٍ رقميًا ولكنه لا يعني الكثير اقتصاديًا وحتى ماليًا لأن الظروف الموضوعية تغيرت ما يجعل أي تقييم مقارن صعب. فمثلًا مؤشر اليابان نيكي تعرض لفقاعة بعد أن وصل المؤشر إلى 38915 في 29 ديسمبر 1989. لم يستطع الرجوع إلى هذا المستوى إلا في 22 فبراير 2024 – أي بعد 24 سنة. ربما أهم عامل في المقارنة خاصة للمستثمر الأجنبي هو سعر صرف الين في الفترتين. كذلك حدث ذلك مع أسهم التقنية الأمريكية مع ثورة الإنترنت حين وصل مؤشر ناسداك إلى 5049 في 10 مارس 2000، فلم يتعافَ المؤشر إلى هذا المستوى مرة أخرى إلا بعد 16 عام، في 23 أبريل 2015. التجارب كثيرة في دول كثيرة، الفقاعات ربما جزء من تطور الأسواق لأنها تعمل على "تنظيف" مالي يحدث من نتوءات وتشوهات في الاستثمارات وتعلم الأجيال والعلاقة بين السياسات الاقتصادية والمالية والتوقعات حولها، وعلاقة أرباح الشركات مع أداء الأسهم. تطور أسواق رأس المال ونضوجها كجزء من المنظومة المالية والاقتصادية مهم وجدير بالدراسة والمتابعة والتحليل.
السوق المالي (الأسهم) مهم لثلاث أسباب: لتوفير المال لمزيد من الاستثمارات، وللحفاظ على المال داخل الاقتصاد بتسخيره وتمريره، وأخيرًا لتسعير رأس المال. الحكم على السوق يجب أن يمر من خلال هذه القنوات. طغى على السوق في مراحل مختلفة أهداف مرحلية مختلفة، فمثلًا كان رغبة الحكومة في اشتراك الناس في استثمارات ونجاح المصارف وسابك أحد الأمثلة، ثم جاءت رغبة الكثير من العائلات إيجاد قناة لاستمرارية السلسة في أعمال الشركات وملكيتها، ثم رغبة الكثير في التخارج أحيانًا دون مسبب اقتصادي واضح ولكن لسبب مالي. المهم الوعي بالمرحلة والتسعير المنطقي والحوكمة الفاعلة في الجوهر وليس بالشكليات التنظيمية، لذلك على الجهات الرقابية الارتقاء بالوعي والتحليل والرقابة. من طبيعة الأمور أن يكون هناك فجوات سوف يجد البعض فيها فرصة للتملص من الاستحقاق الجوهري ولكنه لن يغيب على المسؤول الرصين. في الأخير سوق الأسهم ليس صالة قمار مشروعة أو فرصة للتخارج لأسباب بغرض التخارج فقط، ولكن لتوفير رأس المال للاستثمار الفاعل في المجتمع. الاهتمام باقتصاد الشركات جزء أساسي لأنها عصب الاقتصاد الجزئي وبدونه لن يستمر اقتصاد كلي بدرجة مقبولة من الكفاءة والحيوية. أظن الحوكمة تحتاج مراجعة معمقة ومناقشة صريحة لأن هناك جزء مؤثر منها مرتبط بالمرحلة وبالمكان والثقافة. فمثلًا في كوريا نشط السوق مؤخرًا بسبب تغييرات جوهرية في منظومة الحوكمة. من هذه الإصلاحات تحديد أدوار العائلة في إدارة الشركة في الفصل بين الإدارة والملكية.
إجمالًا مسيرة السوق أكثر من جيدة مقارنة بتطور الأسواق العالمية تاريخيًا. إصلاحيًا، هناك عدة نقاط تستحق المراجعة من مجلس إدارة الهيئة. فمثلًا تسعير الطروحات قد يستمر عن طريق "رغبة" الصناديق ولكن اختبار الرغبة الحقيقية من خلال الأفراد – بإعطائهم حصة أكبر من الطرح. أيضًا من الإصلاحات الممكنة في الحوكمة مراقبة أجور كبار مسؤولي الشركة قبل وبعد الطرح، وكما ذكرت مرارًا في أهمية أعضاء مجالس إدارة مستقلين، يتم ذلك من خلال اختيارهم من مجموعة مؤهلة من عدة جهات تحت مظلة الهيئة. أيضًا لا بد من التفكير في شروط التخارج، إذا كان هدف الطرح التخارج فقط فلن يقوم السوق المالية بغرضه الأساسي، لذلك لا بد من تفكير خلاق للتوازن بين الاستثمار في الشركة والتخارج.
الغرض من الإصلاحات الثقة في السوق وخدمة الاقتصاد الوطني وجذب الاستثمارات الخارجية. الاهتمام المالي يجعل البعض قد لا يفرق بين المال والاقتصاد، لكن فعالية السوق تأتي من تفاعل وإنتاجية القوى الاقتصادية أولًا، ولذلك أبحث عن القيادة والإبداع في التطور الاقتصادي، هذا لا يقلل من أهمية القطاع المالي وحيويته في تطور الاقتصاد. الأسابيع القليلة الماضية استرد السوق السعودي بعضًا من عافيته ربما لأسباب فنية بعد أن وصل إلى مستوى جديد من عدم مجاراة الأسواق العالمية، وربما لحالة تفاؤل عامة بسبب تغير التفكير عن اقتصاديات النفط ودور المملكة الجيوسياسي، أيًّا كانت الأسباب هذه طبيعة الأسواق تعكس مزيجًا من الأساسيات والحالة النفسية. لا أتوقع أن يسترجع مؤشر تداول مستوى 21 ألف قريبًا، ربما بسبب الاختلاف الهيكلي للمرحلتين. فلا يمكن مقارنة 2005 مع 2026 في المملكة نواحٍ كثيرة تتعدى سوق الأسهم. الأقرب أن بعد انفجار الفقاعة في 2006، لم تتعافَ المنظومة المالية حتى 2008 ولذلك أجد المرجعية المقبولة تاريخيًا مع 2008 مع إعادة مركزية دور CMA وقبول العامة بأن الماضي حقبة مختلفة ولّت. المراجعة التاريخية التالية في 2028 – أي بعد مرور 20 عامًا على الحقبة الجديدة، وكل عام ونحن دون فقاعة.
خاص_الفابيتا


