أرامكو تقود نمو أرباح السوق السعودي.. والبنوك تفرض هيمنتها

17/05/2026 0
حسين بن حمد الرقيب

رغم التوترات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الماضية، والحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران وما صاحبها من استهداف بالصواريخ والطائرات المسيّرة لمنشآت اقتصادية سعودية، أثبت الاقتصاد السعودي والقطاع الخاص على وجه الخصوص مستوى عالي من الصلابة والقدرة على امتصاص الصدمات والاستمرار في النمو والتوسع، فنتائج الشركات السعودية للربع الأول من عام 2026 لم تعكس اقتصاداً يعيش تحت ضغط الأزمات، بل أظهرت اقتصاداً يمتلك بنية تشغيلية ومالية أكثر نضجاً وتنوعاً، مدعوماً بإصلاحات عميقة قادتها رؤية المملكة 2030 خلال السنوات الماضية.

ما نشهده اليوم لم يعد مجرد تحسن دوري في الأرباح، بل تحول هيكلي حقيقي انعكس على كفاءة القطاع الخاص، وتنويع مصادر الدخل، وارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية، إضافة إلى تطور البنية التمويلية والاستثمارية للشركات السعودية، ورغم حساسية المنطقة جيوسياسياً، واصل القطاع المصرفي نموه، وحافظت شركات الطاقة والاتصالات والتقنية والتأمين على متانة نتائجها، فيما أظهرت العديد من الشركات قدرة لافتة على التكيف السريع مع المتغيرات التشغيلية والاقتصادية.

هذه النتائج تؤكد أن الاقتصاد السعودي لم يعد اقتصاداً هشاً يتأثر بالأحداث قصيرة الأجل كما كان يُعتقد سابقاً، بل أصبح أكثر قدرة على إدارة الأزمات، وأكثر مرونة في مواجهة التقلبات، بفضل الإنفاق الاستثماري الضخم، والتشريعات الحديثة، وتمكين القطاع الخاص، ورفع كفاءة البيئة الاقتصادية ضمن مستهدفات رؤية 2030. قطاع الطاقة كان المحرك الأكبر للصورة العامة، إذ ارتفعت أرباحه المجمعة إلى نحو 124 مليار ريال بنمو يقارب 29.5%، مدعوماً بصورة رئيسة بنتائج أرامكو السعودية التي قفزت أرباحها إلى 120.1 مليار ريال، إضافة إلى تحسن قوي في أرباح البحري وعودة بترو رابغ للربحية، وهذا يعكس أن قطاع الطاقة لا يزال صاحب التأثير الأثقل في نتائج السوق، وأن أي تحسن في أرباحه يغير قراءة السوق بالكامل.

أما قطاع البنوك فواصل أداءه المستقر، محققاً أرباحاً تقارب 24 مليار ريال بنمو 7.6%، وهو نمو يعكس متانة القطاع وقدرته على الاستفادة من جودة الأصول واستمرار النشاط التمويلي، وتصدر مصرف الراجحي القطاع بأرباح بلغت 6.75 مليار ريال، يليه البنك الأهلي السعودي بنحو 6.42 مليار ريال، ما يؤكد أن البنوك الكبرى ما زالت تمثل قاعدة ربحية قوية للسوق.

في المقابل، أظهر قطاع المواد الأساسية تحسناً محدوداً بنسبة 11.8%، رغم الضغوط الواضحة على عدد من شركات البتروكيماويات، فقد سجلت سابك أرباحاً طفيفة بعد خسائر في الفترة المماثلة، بينما استمرت كيان وسبكيم في تسجيل خسائر، ما يعكس أن القطاع لم يخرج بعد من دورة الضغط على الهوامش والأسعار العالمية، ومع ذلك ساهمت معادن وسابك للمغذيات وبعض شركات الأسمنت في تحسين الصورة العامة للقطاع.

قطاع الاتصالات حافظ على مساره الإيجابي، بنمو أرباحه إلى نحو 4.78 مليار ريال، مدعوماً بأداء مستقر من stc ونمو قوي في موبايلي وزين السعودية. وهذا القطاع يثبت مرة أخرى أنه من أكثر القطاعات دفاعية واستقراراً في السوق، بفضل الطلب المستمر على الخدمات الرقمية والاتصالية.

أما قطاع الرعاية الصحية فسجل تراجعاً حاداً بنحو 38%، متأثراً بانخفاض أرباح عدد من الشركات الكبرى مثل سليمان الحبيب، دله الصحية، فقيه الطبية، والسعودي الألماني، ورغم أن القطاع يتمتع بآفاق نمو طويلة الأجل، إلا أن نتائج الربع تعكس ضغوطاً تشغيلية وتكاليف توسع قد تؤثر مؤقتاً على الربحية.

قطاع العقار كان من أبرز القطاعات المتراجعة، حيث انخفضت أرباحه بنحو 30.6%، متأثراً بتراجع أرباح جبل عمر ومسار والماجدية، رغم الأداء القوي للعقارية ودار الأركان. وهذا يوضح أن القطاع العقاري لا يتحرك كتلة واحدة، بل تختلف نتائجه بحسب طبيعة الأصول، وتوقيت الاعتراف بالإيرادات، وحجم المشاريع تحت التنفيذ.

في قطاع التأمين، جاءت النتائج إيجابية بنمو 34.5%، مدعومة بأداء قوي من بوبا، التعاونية، تكافل الراجحي، ورسـن. ويبدو أن القطاع يستفيد من تحسن التسعير، وارتفاع الطلب، وضبط المطالبات لدى بعض الشركات، رغم استمرار خسائر عدد من الشركات الصغيرة.

أما قطاع الخدمات الاستهلاكية فحقق نمواً جيداً بنحو 40.9%، بدعم من أمريكانا، بان، والمسار الشامل، رغم تحول جاهز إلى الخسارة. وهذا يعكس أن الطلب الاستهلاكي لا يزال حاضراً، لكنه أصبح أكثر انتقائية، والشركات التي لا تضبط الإنفاق التسويقي والتشغيلي قد تواجه ضغطاً سريعاً على الأرباح.

قطاع إنتاج الأغذية بقي شبه مستقر، إذ تراجعت أرباحه بشكل طفيف جداً، رغم الأداء الجيد لصافولا والمطاحن والمراعي. وهذا القطاع يميل إلى الاستقرار، لكنه يواجه تحديات في الهوامش بسبب تكاليف التشغيل والمواد الخام.

 

نقلا عن الرياض