الاقتصاد العالمي بين شعارين «نهضة الصين» و«لنجعل أميركا عظيمة»

17/05/2026 0
محمد العنقري

خلال الحرب الباردة كانت قمة قادة أميركا والاتحاد السوفيتي محط أنظار العالم سنوياً لأن ما ينتج عنها يحدد مصير المواجهة بينهم وعلى ماذا يتفقون وما هي ملفات الخلاف لكن كل ما كان يشغلهم هو الأيديولوجيا وملفات تخص الدول التي تتحالف مع كل طرف فالسوفيت كانوا حريصين على الدول التي تنتهج الاشتراكية والشيوعية وحركات التحرر في نظامها وتعتمد عليهم في تسليحها وعلاقاتها لدرجة أن موسكو كانت تحتضن أبناء تلك الدول أو ما تسمى الكتلة الشرقية ببعثات دراسية بجامعات أسستها لأجلهم تحت عنوان جامعات الصداقة مما أسهم بنشر الثقافة السوفيتية وعزز نفوذهم في تلك الدول بينما أميركا كانت تدافع عن الكتلة الغربية التي تنتهج الرأسمالية والاقتصاد الحر ونهج سياسي متحرر من القيود على شعوبها.

فالنظام العالمي انذاك بدأ يتشكل بقمة يالطا بين ستالين وروزفلت عام 1945 بعد الحرب العالمية الثانية حيث بدأ عصر الحرب الباردة واستمر حتى قمة مالطا بين بوش الأب وغورباتشوف عام 1989 حيث أعلن رسمياً عن نهاية تلك الحرب وبعدها بعامين تفكك الاتحاد السوفيتي لتصبح أميركا القطب الأوحد في العالم وتعلن انتصارها وحلفاؤها في الغرب على الفكر الاشتراكي والكتلة الشرقية فتفكك حلف وارسو الذي كان نداً لحلف الناتو وبدأ بعدها عصر جديد يبشر بنظام عالمي يختلف كلياً بتوجهاته واهتماماته واللاعبين الرئيسيين فيه.

لكن سرعان ما طرح سؤال: ماهو هذا النظام الجديد وماهو عنوانه؟ والإجابة تكمن في تركيز العالم أجمع على الاقتصاد وتنافسيته بين كبرى الدول المؤثرة فيه وشعارها يركز على الاقتصاد أولا واخيراً فهو منبع الاستقرار لدولهم ومصدر القوة المستدام بينما تحولت السياسة وقوة التسليح لخدمة النفوذ الاقتصادي بدلاً من خدمة نشر الأفكار الأيديولوجية التي كانت محور صراعاتهم سابقاً.

ولذلك تعد قمة بكين بين أميركا الصين 2026 التي انتهت قبل يومين مؤسسة لهذا النظام العالمي الجديد فهما قطبا الاقتصاد ولا مجال لاستمرار المواجهة بين قوة صاعدة الصين ومهيمنة التي هي أميركا فكان لابد من عقد شراكة بينهم لأن حجم اقتصاد الدولتين يمثل 40 بالمائة من الاقتصاد العالمي وإذا أضفنا الاتحاد الاوروبي فالنسبة تصل إلى 60 بالمائة وبذلك فإن الاستقرار الدولي يحتاج لشراكة بينهم وليس صراع ومواجهات الجميع سيخسر بها لكن كحال أي مرحلة تسبق التفاهم فإن التصعيد يسبقها ليحصل كل طرف على أفضل ما يمكن في الاتفاق النهائي ويستخدم مالديه من فائض قوة في هذه المرحلة لبناء تفاهم مستدام.

نستخلص من ذلك أن قيادة العالم أصبحت بين قطبي الاقتصاد أميركا والصين وفق ما يملك كل طرف من عناصر قوة تكمل بعضها واستفادت أميركا بهذه القمة بزيادة مشتريات الصين من منتجاتها بما يقارب 200 مليار دولار سنويا إضافة لصفقات تعزز من نفوذ شركات أميركا باقتصاد الصين مثل شراء 200 طائرة بوينغ المنافسة لإيرباص الأوروبية إضافة للرقائق المتقدمة من إنفيديا وكذلك العديد من المنتجات منها منتجات زراعية مقابل وقف الرسوم الأمريكية على صادرات صينية وتفاهم حول تايوان وغير ذلك ما يشغل الصين مع تفاهم حول ضرورة فتح مضيق هرمز دون قيود وبأقصى سرعة وأن لا تملك إيران سلاحاً نووياً أي أن الطرفين وضعا مصلحة علاقتهم المباشرة فوق أي اعتبار آخر.

ذهب ترمب ومعه أوراق تفاوضية قوية أولها الرسوم حيث يعد سوق أميركا محورياً للصين ولا يمكن تعويضه وحجم التصدير له يفوق 400 مليار دولار سنوياً وبفائض لصالحها عند 202 مليار دولار إضافة لانتزاع ورقة فنزويلا من الصين، وكذلك واقع وضع إيران التي ترتبط مع الصين بعلاقة خاصة وكذلك وضع مضيق هرمز بينما لدى الصين أوراق مهمة كالاستثمار وزيادة المشتريات من منتجات أميركا والعلاقة مع روسيا وإيران وما يمكن أن تسهم به لحل النزاعات دولياً لكن المؤكد أنهم وضعوا كل تلك الأوراق السياسية لخدمة التوصل لاتفاق تجاري بينهم فما يعنيهم هو الشراكة واستمرارها بحالة مستقرة بينهم، ولذلك فإن من لا يقرأ المشهد بعد القمة بأنه أساس لتوجهات العالم الجديد نحو الاقتصاد الذي تقوده أميركا والصين فليتذكر قمة يالطا 1945 وما حدث بعدها، وأن القمة الحالية تشابهها لأنها تؤسس للنظام العالمي الجديد.

 

نقلا عن الجزيرة