لا يبنى الاقتصاد بالتبذير، ولا ينمو بالتقطير؛ هذه ليست موعظة مالية، بل معادلة في إدارة الدخل والطلب. فالفرد الذي ينفق كل ما يدخل حسابه لا يصنع رفاهًا دائمًا، بل يشتري رضا قصيرًا. والفرد الذي يحبس دخله خوفًا من الغد لا يصنع حكمة كاملة، بل قد يعطل دورة طبيعية اسمها الاستهلاك. بينهما يقف الادخار، لا خصمًا للإنفاق ولا شقيقًا للتقطير، بل ترتيبًا عاقلًا للعلاقة بين اليوم والغد.
وفي السعودية، لا يأتي الادخار كفكرة طارئة على الخطاب الاقتصادي؛ فرؤية السعودية 2030 وضعت مستهدفا واضحا برفع مدخرات الأسر من 6% إلى 10% من إجمالي الدخل. وعلى الأرض، يكشف مسح الدخل والإنفاق الاستهلاكي للأسرة لعام 2023 أن متوسط الدخل الشهري المتاح للإنفاق للأسرة بلغ 11,839 ريالًا، مقابل إنفاق استهلاكي شهري عند 10,884 ريالا؛ أي أن الفائض النظري 955 ريالا، أو8% عند هذا الهامش لا يعد الادخار ترفا ماليا، ولا الاستهلاك اتهاما اجتماعيا! بل يصبح السؤال: كيف نمنع الاستهلاك من تضييق القدرة على الادخار؟
تشير بيانات البنك المركزي السعودي في نشرة مارس 2026 أن الاستهلاك لم يعد هامشا في قراءة الاقتصاد. ففي مارس بلغت مبيعات نقاط البيع 66.1 مليار ريال، بارتفاع أقل من 1% على مارس 2025، لكن عدد العمليات قفز 11.5% وفي الربع الأول بلغت المبيعات 189.7 مليار ريال، بنمو 4.4% سنويًا، بينما زاد عدد العمليات 10%. المفارقة أن الحركة الاستهلاكية تتسع أسرع من قيمة السلة، وكأن الاقتصاد لا يشتري أكثر دائمًا، بل يدفع أكثر تكرارًا.
حتى فواتير «سداد» تحمل الإشارة ذاتها. فقد بلغت الفواتير المسددة في مارس 85.1 مليار ريال، بزيادة 7% على مارس 2025، وبلغت في الربع الأول 245.4 مليار ريال، بارتفاع 5% عن الفترة المماثلة. أما عدد الفواتير فارتفع في مارس 17%. هنا لا نقرأ الرفاه وحده، بل كثافة الالتزامات الشهرية التي تزاحم الادخار من داخل الدخل.
في المقابل، لا يمكن القول إن السيولة غائبة. فالودائع المصرفية بلغت في مارس 2026 نحو 3.05 تريليون ريال، مرتفعة 8.8% على مارس 2025. لكن تركيبها أهم من حجمها: ودائع تحت الطلب ارتفعت 3% إلى 1.5 تريليون ريال، بينما قفزت الودائع الزمنية والادخارية 15.6% إلى 1.24 تريليون ريال. هذا انتقال من سيولة تنتظر المصروف إلى مال يبحث عن عائد.
فأين الحد الفاصل؟ في أمريكا بلغ معدل الادخار الشخصي 3.6 % في مارس 2026، وفي منطقة اليورو بلغ ادخار الأسر 14.4% في الربع الرابع 2025. لذلك من يستهلك أكثر من 90% من دخله باستمرار، مع اتساع ديونه، يقترب من التبذير. ومن يدخر 10% إلى 20% دون تعطيل ضروراته فهو مدخر. أما من يخفض إنفاقه حتى يضر بصحته وتعليمه وعلاقاته وجودة حياته، فهو لا يدخر، بل يقطّر.
الخلاصة ليست دعوة إلى الزهد، ولا دفاعًا عن الإنفاق المفتوح. الاقتصاد الصحي يحتاج إلى مستهلك واعٍ لا مستهلك خائف، وإلى مدخر ذكي لا مكتنز، وإلى إنفاق يصنع منفعة لا ضجيجا اجتماعيا. وبين التبذير والتقطير تقف الفكرة الأهم: أن المال ليس فقط ما نكسبه، بل ما نعرف كيف نوزعه بين اليوم والغد.
نقلا عن الاقتصادية


