استبشر العالم بموجة خفض الفائدة التي بدأها الفيدرالي بعد سنوات من وتيرة متسارعة في رفعها حتى اصطدم الواقع بالضعف الاقتصادي تلتها الحرب القائمة والمؤكد أنه ليست كل صدمة تعني أن البنوك المركزية ستعود إلى رفع الفائدة، وليست كل حرب دافعة لتغيير مسار السياسة النقدية، المهم ليس ارتفاع السعر للمنتج في يوم أو أسبوع، بل المدة التي يبقى فيها مرتفعا، ومتى يصل هذا الارتفاع في تشكيلات التكاليف إلى المستهلك النهائي حتى يتحرك التضخم وينظر إلى الفائدة وقتها.
هذا هو الفارق بين التضخم العام والتضخم الأساسي. معدل التضخم العام يتحرك بسرعة مع النفط والغذاء والوقود لوزنها إلى مكونات سلته التي تؤثر بالنسب، والثاني يتحرك ببطء، لكنه أخطر، لأنه يعكس انتقال الكلفة إلى الإيجارات والخدمات والنقل والمطاعم والتأمين والأجور، التضخم الأساسي استجابته بطئية وأثره طويل. لذلك لا تقلق البنوك المركزية من كل ارتفاع مؤقت في الطاقة، لكنها تقلق عندما يتحول هذا الارتفاع إلى عادة سعرية جديدة داخل الاقتصاد. التضخم العام سريع التأثر ومؤشر التضخم الأساسي مقلق ارتفاعه.
الحرب الإيرانية أعادت هذا السؤال إلى الواجهة: هل نحن أمام أثر وقتي مؤقت على التضخم، أم أمام بداية بيئة تضخمية أطول؟ الإجابة لا تزال معلقة على 3 عوامل: مدة الحرب، سلامة الممرات البحرية، وقدرة أسواق النفط والشحن على امتصاص المخاطر وعودة السلع إلى مساراتها التجارية الاعتيادية بعد الانقطاع. إذا بقيت الحرب محدودة، فإن أثرها سيظهر عادة في التضخم العام أولا، ثم يتراجع مع هدوء النفط وتراجع علاوة المخاطر. أما إذا طالت، فالمشكلة لن تكون في النفط فقط، بل في كل سلعة تحتاج إلى شحن، وكل خدمة تعتمد على وقود، وكل شركة تحاول حماية هامش ربحها وفي كل مدخل آخر لم يصل.
وهنا تختلف حساسية الاقتصادات. أمريكا ستراقب البنزين والخدمات وتوقعات المستهلك. أوروبا ستراقب الطاقة والغاز والصناعة، لأنها أكثر تعرضا لتكلفة الواردات. أما السعودية، فالأثر المباشر في أسعار الوقود أقل، لكن الأثر غير المباشر قد يظهر في الشحن، والسلع المستوردة، هذه أمثله من اقتصادات العالم. ومع ذلك يبقى السكن والإيجارات المحرك المحلي الأهم للتضخم السعودي، لا الحرب وحدها.
الاحتمال الأكبر، وبنحو 55%، أن تتجه البنوك المركزية إلى تثبيت الفائدة لفترة أطول، لا إلى رفع كبير ولا إلى خفض سريع. هذا المسار هو الأقل خطأ في بيئة لا تزال غير واضحة. فالخفض الآن قد يرسل إشارة خاطئة للأسواق إذا كان التضخم قابلا للعودة، والرفع الكبير قد يضغط على النمو في لحظة هشاشة فنحن في متفرق طرق.
الاحتمال الثاني، وبنسبة تحقق أقل، أن تطول الحرب أو تتعطل إمدادات الطاقة والشحن، وعندها ستتغير اللغة. لن يكون النقاش عن موعد الخفض، بل عن بقاء الفائدة مرتفعة وربما رفع محدود إذا انتقلت الصدمة من الطاقة إلى التضخم الأساسي. هذا السيناريو هو الأثقل والأخطر لأنه يجعل البنوك المركزية تواجه تضخما أعلى ونموا أضعف في الوقت نفسه.
أما أقل الاحتمالات حدوثا، فهو أن تتحول الصدمة إلى تباطؤ حاد في النمو. حينها قد تعود تخفيضات الفائدة، لكن ليس لأن التضخم انتهى، بل لأن الاقتصاد لم يعد يحتمل تكلفة المال المرتفعة.
لذلك الفائدة ستثبت حتى تتجاوز الأسواق أثر الصدمة. الحرب لا تصنع وحدها دورة نقدية جديدة، لكنها تكفي لتأجيل نهاية الدورة الحالية. والأسواق التي كانت تنتظر خفضا قريبا للفائدة قد تكتشف أن الطريق إلى الخفض أصبح أطول، ليس لأن البنوك المركزية تريد التشدد، بل لأنها لا تستطيع أن تخفض وهي لا تعرف هل أمامها غلاء عابر أم تضخم يستعد للإقامة، واضعو السياسية النقدية في مأزق وترقب.
نقلا عن الاقتصادية


