سباق عالمي محموم على ريادة اقتصادية مستدامة لا يمكن أن تحققها الدول إلا بتكامل ما بين تطوير التشريعات وتيسير الاستثمار واستغلال الإمكانيات بالموقع الجغرافي والثروات الطبيعية والأهم دائماً هو تأهيل رأس المال البشري لتمكين الكوادر التي تدربت وتعلمت حتى تأخذ فرصتها في العمل أو تأسيس مشاريعها فالاقتصادات الناشئة التي أصبحت مميزة بتطور صناعاتها الخفيفة والثقيلة وابتكاراتها وأصبح لديها شركات عالمية بمجالات صناعة السيارات والسفن والإلكترونيات والتعدين وامتلكت التقنية وأنتجتها ركزت على التعليم بالتخصصات العلمية والمهنية بشكل أساسي حتى وصلت لهذا النجاح وبوقت قياسي.
رؤية 2030 ركزت على الكوادر البشرية لتمكينها من العمل بمختلف القطاعات التي تستهدفها الرؤية، ولذلك فإن دور منظومة التعليم يبقى ركيزة أساسية برفد السوق باحتياجاته وذلك عبر الانتقال بمخرجاته إلى مرحلة تتناسب مع تجهيز الكوادر بكل المهارات التي تسهل لهم الاندماج بسوق العمل بداية من ترسيخ ثقافة العمل والتي تعد مفهوم أكبر من التركيز على الالتزام بالحضور والالتزام بضوابط المنشأة الداخلية لأن ثقافة العمل تنعكس إيجابيتها في صناعة الشخصية العملية الواقعية الواسعة الأفق والطموح والباحثة عن التطور.
فلا بد للوصول إلى الكادر المؤهل أن يكون الاستثمار بالتعليم متركز على المخرجات بشكل أساسي بعيدًا عن الفكرة التقليدية المتعلقة بأن يكون الهدف التعليم لأجل التعليم فقط بل لابد من المزج بين الاتجاهين أي مخرجات تؤسس لكادر بشري جاهز للفرص ويمتلك معرفة متنوعة.
ومن هنا، فإن الانتقال لتطوير برامج التعليم العالي أصبح هو الأساس لكي ترتفع كفاءة الانفاق على التعليم فمن غير المنطقي أن يكون جل من يعمل في مجالات فنية بقطاع الصيانة والتشغيل والمصانع وشركات التقنية ومجالاتها من الوافدين فعدد المسجلين بالهيئة السعودية للمهندسين 480 الف مهندس وفني منهم 142 ألف مواطن أي حوالي 31 بالمائة إضافة للقطاعات التقنية الجديدة التي أصبحت هدفاً وأولوية في الاستثمارات بالمملكة مثل مراكز البيانات ونشاط الذكاء الاصطناعي وخدمات الأمن السيبراني وكذلك في صناعة السياحة والخدمات اللوجستية وغيرها العديد من المجالات إضافة طبعاً للقطاع الصحي.
مما يعني أنه لابد من التركيز على الكليات التطبيقية والمعاهد المهنية وكذلك على القبول بتخصصات العلوم والهندسات الدقيقة التخصص فهذه الكوادر هي من تصنع الفارق الاقتصادي والتنموي وتغلق فجوة المهن الحرجة والانكشاف في مختلف المهن التي نحتاجها ليس للوقت الحالي فقط بل الأهم للمستقبل.
ولابد هنا من إعادة صياغة استراتيجية سريعة التحضير وطويلة الاثر في هيكلة التخصصات بكافة الجامعات الحكومية وبكل منطقة حسب احتياجها ونوعية القطاعات الاقتصادية التي تتميز بها إضافة لربط المعاهد والكليات التقنية بالجامعات لتكون متكاملة معها وذلك للتجسير لمن يرغب بإكمال تخصصه في الجامعة مع تغيير مسميات الشهادة الصادرة من تلك المعاهد الفنية لتكون بمسمى مساعد مهندس حتى في التصنيف الوظيفي لهذه المسميات مما يتيح لمن يرغب أن يكمل تعليمه في تخصصه ليكون مهندساً، مع ضرورة إلزامية توظيف خريجي هذه المعاهد في عقود الصيانة الحكومية بنسب كبيرة وكذلك في مرافق القطاع الخاص كالمستشفيات وكذلك في المصانع.
في التأهيل يجب أن تكون العين على احتياجات الاقتصاد أولاً فكفاءة استثمار الأموال التي تنفق على التعليم اختبارها الحقيقي هو نسب توظيف خريجي تلك التخصصات بالجامعات والمعاهد والكليات التقنية والفنية، فهم من سيساهمون بتنمية أوسع تأثيراً بإيجابياتها وسينعكس مع تطور استخدام التقنيات الحديثة بتقليل الاعتماد على العمالة الوافدة الكثيفة مما يقلل من حجم الحوالات للخارج التي قاربت 150 مليار ريال كمتوسط سنوي إلى تحويل جزء كبير منها للانفاق الداخلي عبر زيادة إحلال المؤهلين فنياً وتقنياً بسوق العمل بعد أن يتم التوسع بقبولهم في هذه التخصصات بالسنوات القادمة.
نقلا عن الجزيرة
