هل أصيبت أوروبا بالمرض الهولندي سياسياً؟

08/04/2026 0
محمد العنقري

يبدو أن أوروبا تواجه مرحلة مفصلية في واقعها وكذلك مستقبلها السياسي الدولي من حيث التأثير وحماية مصالحها التي بنتها خارجيا عبر عقود طويلة من الزمن وذلك بعد أن فاجأتهم أمريكا على لسان رئيس أمريكا ترمب ووزير خارجيته بموقف حاد من أمريكا اتجاه حلف الناتو والعلاقة مع دول أوروبا التي استفادت من الحلف لعشرات الأعوام بعد توقف الحرب العالمية الثانية، فقد اعتمدوا على أمريكا في الدفاع عنهم بوجه الاتحاد السوفيتي سابقا وروسيا حاليا لكن واشنطن أصبحت ترى أن الحلف تذهب المنفعة فيه باتجاه واحد أي لأوروبا خصوصا بعد مواقفهم الرافضة لمساندة أمريكا في حربها على إيران وهو ما عبر عنه الرئيس ترمب صراحة بأن حلف الناتو دون أمريكا نمر من ورق وقال إنه لا يحتاج لموافقة الكونجرس كي ينسحب منه.

وبالعودة لجذور الخلل الذي وقعت به أوروبا، فقد كان بسبب اطمئنانها لدور أمريكا الدفاعي عنها الذي عدته واشنطن حاليا كان استغلالا لها، بينما ركزت الدول الأعضاء في القارة العجوز على الاقتصاد والتنمية وأصبحت بعض دولها من أكبر عشرة اقتصادات عالميا، مثل: ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا، بينما أهملوا لحد كبير الجانب العسكري وتطوير التسليح بقدر مناسب لحجم القارة لكي يجاري التفوق الأمريكي والروسي بالتسليح من حيث الكم والنوع وقوة الردع ليعزز دورها الدولي في الملفات الكبرى بمختلف القارات بحضور كامل سياسيا واقتصاديا ومدعوم بقدرات عسكرية عالية المستوى فدفعت بهذا التراخي ثمن اعتمادها شبه المطلق على أمريكا التي تعد هي القوة الضاربة والمهيمنة في حلف الناتو والأقوى عالميا وأصبح دورها خارجيا ذا تأثير محدود قياسا بأمريكا التي تسبقها بمراحل عديدة، بل إن الصين أصبح تأثيرها الاقتصادي كبير عالميا وأهم من اقتصاد الاتحاد الأوروبي الذي يضم معظم دول الناتو رغم أن حجمه مساويا لحجم الناتج الإجمالي الصيني.

فهذا التراجع الذي أصاب أوروبا لعشرات السنين عسكريا وأدى لتراجع نفوذها السياسي يذكرنا بمصطلح اقتصادي شهير صاغته مجلة «الإيكونومست» عام 1977، باسم «المرض الهولندي» الذي عبر من خلاله عن تراجع قطاع التصنيع والزراعة في هولندا عقب اكتشاف حقول ضخمة للغاز الطبيعي في ستينيات القرن الماضي حيث يصف المصطلح العلاقة السلبية العكسية بين ازدهار قطاع الموارد الطبيعية كالنفط والغاز وأي ثروة طبيعية مع تراجع القطاعات الأخرى مثل التصنيع والزراعة مما يؤدي لارتفاع تدفق العملات الأجنبية وهو ما رفع من قيمة العملة المحلية، الأمر الذي جعل صادرات هولندا الأخرى مكلفة وغير منافسة دوليا، بينما أصبحت الواردات أرخص وهو ما أدى لتراجع اقتصادي بمختلف القطاعات وارتفعت البطالة ولذلك شبه بالمرض.

فهذا الواقع الذي تعيشه أوروبا أصبح يمثل تحديا كبيرا لها في أن يكون لها دور بارز في النظام الدولي الجديد الذي تقوم واشنطن بدور فاعل في تشكيله، ففي الحرب الحالية على إيران صدرت مواقف سلبية من دول أوروبية فيها بعدم المساندة من وجهة نظر واشنطن وأعطت بذلك المبرر لها كي تفكر بالانسحاب من حلف الناتو في وقت لا تبدو أوروبا جاهزة لتغطي الفراغ الأمني والعسكري والاستخباراتي وبالتسليح في وقت قياسي، فالرئيس ترمب أصبح يفكر بكل دولار تنفقه أمريكا أين يذهب وما هو العائد منه ماديا ومعنويا ولذلك مع ارتفاع الدين السيادي الأمريكي إلى 39 تريليون دولار الذي يعادل أكثر من 120 في المائة من الناتج المحلي مع إنفاق دفاعي مرتفع ينال الناتو منه نصيبا كبيرا بتمركز عشرات الآلاف من القوات الأمريكية في أوروبا بقواعد عديدة وحركة نقل أسلحة وغرف عمليات وتكاليف ضخمة يقال إن أمريكا تتحمل العبء الأكبر من هذه التكاليف طيلة العقود الماضية فإن توجه ترمب ومن سيليه أيا كان الحزب الذي يمثله سيكون لتحالفات أكثر فائدة لأمريكا، فهي سياسات وتوجهات باتت واضحة.

أوروبا قد تجد نفسها مبتعدة أكثر عن التأثير عالميا وفي ملفات الشرق الأوسط وإفريقيا وشرق آسيا، إذ يبدو حضورها محدودا كنتيجة لقراراتها وخططها السابقة عسكريا واقتصاديا وتتجه حاليا لمحاولة أن تستخدم مخزون خبرتها السياسية بالمناورة لتتحول أغلب الملفات لمنطقة الحلول السياسية كي تستطيع أن تخترق الحواجز التي وضعتها واشنطن لها إلا أن ذلك قد لا يكون مضمون النجاح ما لم تواكبها تحركات اقتصادية وعسكرية لحفظ السلام والأمن الدولي ليعزز الدور الذي تبحث عنه أوروبا، ففي هولندا عالجوا مرضهم بتحفيز القطاعات الاقتصادية وإعادة النظر بدور الإيرادات من الثروات الطبيعية لتعزز من قيمة القطاعات الأخرى، فهل تقوم أوروبا بمعالجة خلل التفوق الأمريكي عليها واعتمادها المفرط على جيش أمريكا بحماية أمنها خصوصا في ظل الحرب الروسية على أوكرانيا وهي أكبر تهديد يواجه أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية؟

 

نقلا عن الجزيرة