فخ ثوسيديديس

18/05/2026 0
د. عبدالله الردادي

في زيارة الرئيس ترمب للصين وضع الرئيس الصيني العلاقة بين بلاده والولايات المتحدة في إطار تاريخي باستخدامه مصطلحاً يعود إلى أكثر من ألفي عام، هو «فخ ثوسيديديس»، وهي لغة خطاب جديرة بهذا النوع من الاجتماعات بين أكبر قوتين اقتصاديتين – بأقل وصف – في العالم، فما المقصود بهذا المصطلح؟ وكيف يعبر عن وضع العلاقة بين الصين والولايات المتحدة؟

تعود قصة «فخ ثوسيديديس» إلى المؤرخ اليوناني ثوسيديديس، الذي أرّخ لحرب بيلوبونيز بين أثينا وإسبرطة التي اندلعت سنة 400 قبل الميلاد، وقد رأى ثوسيديديس أن الحرب نشبت بسبب سلسلة من الأحداث بعد صعود أثينا، وما أحدثه هذا الصعود من خوف لدى إسبرطة، وهي القوة المهيمنة في العالم اليوناني آنذاك، ولم تكن بسبب حادثة منفردة أو عابرة، وفي هذا السياق فإن الحرب تكون نتيجة رغبة في تحقيق توازن استراتيجي، فهناك قوة جديدة تتوسع وقوة أخرى تخشى فقدان مكانتها، وكلا الطرفين يفسر خطوات الآخر باعتبارها تهديداً مباشراً.

الرئيس الصيني ليس أول من أسقط «فخ ثوسيديديس» على الحالة الصينية - الأميركية، فقد ألف المفكر السياسي غراهام أليسون كتاباً في عام 2017 بعنوان «مآل الحرب: هل تستطيع أميركا والصين الإفلات من فخ ثوسيديديس؟»، عرض من خلاله 16 حالة تاريخية خلال القرون الخمسة الأخيرة، شهدت صعود قوة جديدة في مواجهة قوة قائمة، انتهت 12 منها إلى الحرب، وفي قراءة أليسون، فإن الحرب بين القوى العظمى لا تبدأ من قرار معلن، بل من تراكم سلسلة من الحسابات الخاطئة، فالقوة الصاعدة ترى أن من حقها الحصول على مكانة أكبر في النظام الدولي، وفي المقابل فإن القوة القائمة ترى في هذا الصعود تهديداً لنفوذها ومصالحها، وتبدأ بعدها دوامة الإجراءات، والإجراءات المضادة، مثل سباق التسلح، والقيود التجارية، والتحالفات الجديدة، والصراع على الممرات البحرية، ومع الوقت تصبح القدرات أهم من النوايا، وقد استحضر أليسون الحرب العالمية الأولى، حيث قاست بريطانيا خطر ألمانيا بما تبنيه من قدرات صناعية وبحرية وعسكرية، ولم تلتفت إلى النوايا المعلنة.

وبعد هذه الخلفية التاريخية، عودة مرة أخرى إلى زيارة ترمب للصين، حيث اختصر الرئيس الصيني مستقبل العلاقة في «فخ ثوسيديديس»، وكأنه يقول إن التنافس بين البلدين لا ينبغي أن يتحول إلى نسخة معاصرة من أثينا وإسبرطة، حيث لا تكفي النوايا الحسنة وحدها إذا كان الخوف المتبادل، وسوء التقدير، وتراكم القوة، يدفع الأطراف نحو الحرب، وفي ذلك تعبير عن نظرة الصين لنفسها بوصفها قوة عظمى غير راغبة في الاصطدام العسكري مع غيرها.

والزيارة الأميركية للصين لم تختصر على الاقتصاد فحسب، وإن حضر الاقتصاد بقوة، بل كان أشبه بلقاء بين دولتين تبحثان الوجود المشترك في عالم لم يعتد على وجود سلمي بين قوتين عظميين، وشملت موضوعات الزيارة التقنية، وسلاسل الإمداد، والزراعة، والطيران، والمعادن النادرة، والموضوعات السياسية مثل حرب إيران وتايوان، والموضوع الأخير تحديداً لاقى اهتماماً كبيراً بسبب التركيز الصيني، وبالتالي ومع كثرة الموضوعات فإن الزيارة لم تركز على حل موضوع محدد، بل شملت تفاهمات أولية حول موضوعات عدة وعن المسارات المحتملة لها.

وبالتأكيد فإن تخفيف التوتر بين البلدين، وهو ما نجحت فيه الزيارة، مطلب دولي، حتى وإن كان عبر تأجيل النقاشات بدلاً من حلها، ولذلك فقد خرجت القمة برسالة استقرار أكثر من خروجها باتفاقات نهائية، وشملت إنشاء أطر للتجارة والاستثمار، والبحث في تخفيضات جمركية متبادلة على منتجات محددة، وكان للزراعة حضور قوي في هذه الزيارة، لا سيما في ظل الانخفاض الهائل للصادرات الزراعية الأميركية للصين.

إن زيارة ترمب للصين جاءت وفق التوقعات المتحفظة، فمن كان ينتظر منها «صفقة كبرى» سيحبط من نتائجها، أما من كان يتوقع تهدئة استراتيجية تمنع انفجار العلاقة فسيجد أن القمة حققت جزءاً من هدفها وأعادت لغة الحوار إلى المواجهة بعيداً عن التصعيد الذي ملّ العالم منه حتى لم يعد يجد فيه خبراً يستحق التداول، والعالم اليوم في حاجة إلى رؤية القادة الميّالين إلى الحوار لا التصعيد، ورسالة الرئيس الصيني عن ابتكار نموذج يمكن أن يجعل العالم يستوعب الصين والولايات المتحدة هي رسالة إيجابية مفادها أن الصين والولايات المتحدة لا يزالان يملكان رغبة في تخفيف حدة النزاع وتأجيل الصدام، والبحث عن صيغة سياسية للمنافسة، دون الوقوع في «فخ ثوسيديديس».

 

نقلا عن الشرق الأوسط