يُعرَّف الاقتصاد بأنه "أبو العلوم" وله الفضل في نشأة وتطور العديد من العلوم الحديثة، والتسويق ليس بمعزل عنها. فـنظرية المستهلك (Consumer Theory) تُفسِّر كيف يتخذ الأفراد قرارات الشراء ضمن قيود الدخل والأسعار بهدف تحقيق أقصى منفعة ممكنة. وتُعَد هذه النظرية الأساس الذي بُنيت عليه مفاهيم تسويقية لاحقة مثل القيمة المدركة (Perceived Value) وسلوك المستهلك (Consumer Behavior)، إذ يسعى التسويق إلى التأثير في تفضيلات المستهلكين وإعادة تشكيل إدراكهم للقيمة بما يتجاوز المنفعة المادية إلى المنفعة النفسية والعاطفية. ومن هنا يظهر التداخل العميق بين علم الاقتصاد الذي يفسّر السلوك، وعلم التسويق الذي يسعى إلى توجيهه. ومن أبرز مؤسسي علم التسويق الحديث فيليب كوتلر (Kotler, 1972) الذي يرى أن التسويق هو التطبيق العملي للنظريات الاقتصادية في سلوك المستهلك وتخصيص الموارد.
واليوم، ومع ما يشهده العالم من تسارع في الابتكار والتحول الرقمي، أصبح من الضروري أن نعيد النظر في العلاقة بين الاقتصاد والتسويق، ليس باعتبارها علاقة أحادية الاتجاه، بل علاقة تكاملية يتأثر فيها كل طرف بالآخر. فالتسويق أصبح قوة محركة للناتج المحلي، ومؤثرًا مباشرًا في سلوك المستهلكين، ومحفزًا رئيسيًا للنمو والاستثمار. ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال الذي يسلط الضوء على هذه العلاقة التأسيسية والتأثيرات المتبادلة بين الاقتصاد والتسويق، وكيف يمكن لهذه العلاقة أن تسهم في تحقيق مستهدفات التنمية الوطنية ورؤية السعودية 2030.
الاقتصاد الجزئي Microeconomics
لاحظنا في السنوات السابقة تغيير كبير في سلوك المستهلك السعودي فارتفعت أرقام الإنفاق على المطاعم والمقاهي (نمو سنوي مركب 9.5%) (مرن، 2025)، والترفيه والسياحة (نمو سنوي مركب 5%) (أرقام، 2025) بسبب أن كثير من الشركات اتجهت نحو القطاعات ذات النمو المرتفع للاستفادة من النمو الغير طبيعي في هذه الأسواق بسبب عدم نضج القطاعات ورغبة المستهلكين الإنفاق فيها، وعندها ترتفع الحملات التسويقية لجذب جمهور أكبر ناحية تلك الشركات والخدمات والمنتجات التي تنتجها وهذا يؤثر على قرار شراء المستهلكين ويؤثر على المرونة السعرية. المرونة السعرية تقيس مدى استجابة المستهلكين لتغير السعر، والحملات التسويقية تساهم في تغيير إداراك المستهلكين في قيمة الخدمة أو المنتج وبالتالي يتغير سلوكه تجاه السعر. فالحملات التسويقية الناجحة تساهم في أن يصبح الطلب على المنتج أقل مرونة (inelastic) حتى مع ارتفاع الأسعار بسبب الارتباط العاطفي وقلة حساسية الأسعار وهذا جوهر نظرية المرونة السعرية على الطلب (Price Elasticity of Demand)).
الحملات التسويقية ليست كافية لوحدها لخلق قيمة للخدمات والمنتجات بل يجب أن يكون هناك جودة حقيقية للمنتج أو الخدمة. التسويق يبرز ويضخم الجودة ويسلط الضوء على الفوائد الجديدة للمنتج ويخلق توقعات أعلى لدى المستهلكين ولذلك يجب الاستمرار في الابتكار، ولكن التسويق لا يستطيع خلق جودة للمنتج لوحدة وهذا جوهر الاقتصاد الجزئي. فالمستهلكون يتخذون قراراتهم يتخذون قراراتهم وفق إدراكهم للقيمة وهذا الإدراك يتأثر بالحملات التسويقية لكنه يترسخ فقط بعد استخدام المنتج أو الخدمة.
التسويق يركز على إبراز القيمة المدركة للمستهلك وإذا ارتفعت القيمة المدركة للمنتج أو الخدمة يمكن وضع أسعار أعلى دون الحاجة إلى فقدان الطلب، وعندما يدرك المستهلك أن المنتج يقدم قيمة عالية، فإن الطلب يصبح أقل حساسية لتغير السعر (مرونة سعرية أقل). ووفقا لنظرية المنفعة (Utility Theory) فإن المستهلك يسعى لتحقيق أكبر إشباع ممكن من استهلاكه للمنتج أو الخدمة، والتسويق يساهم في رفع الإدراك بالقيمة من خلال إبراز مزايا المنتجات.
فالتسويق يبرز القيمة المدركة من خلال الحملات التسويقية ومن خلال المعلومات الموجودة في المنتج أو الخدمة (Labeling)، وبعض استراتيجيات التسعير تركز على وضع عناصر نفسية في السعر مثل وضع سعر 99 ريالًا بدل 100 ريال بسبب أن المستهلك لديه حد أعلى لكل نوع معين من المنتجات أو الخدمات. وهنا يظهر دور الاقتصاد السلوكي (Behavioral Economics) الذي يفسر كيف يتخذ المستهلكون قراراتهم بناءً على الإدراك والعاطفة والعادات وليس فقط على المنطق والعقلانية كما تفترض النظريات الاقتصادية الكلاسيكية.
فقد أثبتت أبحاث الاقتصادي ريتشارد ثيلر (Thaler, 2017) أن الأفراد يستجيبون للعوامل النفسية والاجتماعية في قراراتهم الشرائية، مثل طريقة عرض السعر أو صياغة الإعلان، وهو ما يجعل التسويق الحديث يوظّف مبادئ الاقتصاد السلوكي لفهم دوافع المستهلكين وتصميم استراتيجيات أكثر تأثيرًا.
الاقتصاد الكلي Macroeconomics
التسويق هو جزء من منظومة الأعمال والاتصال وكل ريال ينفق على الإعلان والترويج يدخل في حساب الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري وبالتالي يرفع من الناتج المحلي. فنشاهد في مواسم كثيرة مثل موسم الرياض تكون الإعلانات والترويج ضخم وهذا يدل على الإنفاق الضخم في السوق على المنتجات الاستهلاكية والترفيهية وينعكس هذا الانفاق على الناتج المحلي السعودي. والحملات تحرك وتشجع الاستهلاك فنظريات التسويق (Mere exposure effect) أن المستهلكين يرفعون من استهلاكهم بمجرد تكرار الإعلان عليهم أكثر من مره وهذا يؤكد على أن الشركات تزيد من الإنتاج عند وجود طلب أعلى على المنتجات والخدمات وأن الإعلانات والترويج يساهم بشكل كبير على رفع الطلب على المنتجات.
فالحملات التسويقية الضخمة تساهم في رفع الطلب على المنتجات والخدمات بشكل كبير وأيضا هذا يؤثر على سلاسل التوريد (النقل، الاعلام). الحملات الإعلانية والإنفاق الضخم في الإعلان والترويج يخلق وظائف مباشرة للمسوقين وخبراء التسويق الرقمي والمؤثرون في وسائل التواصل الاجتماعي ومحللو البيانات ووكالات الإعلان وأيضا وظائف غير مباشرة في سلاسل التوريد (التقنية، الطباعة، شركات النقل، التصوير، والإنتاج الإعلامي)، وهذا الانفاق يعكس الأثر المضاعف (Multiplier Effect) في الاقتصاد.
تطور قطاع التسويق في السعودية يفتح المجال أمام وظائف جديدة تتطلب مهارات متقدمة مثل المعرفة بالذكاء الاصطناعي في التسويق ووسائل التواصل الاجتماعي وتحليل البيانات والعلاقات العامة. ونلاحظ في الأعوام السابقة تطور كبير في المجال التسويقي والإعلاني وأصبحنا نلاحظ إبداع السعوديين والسعوديات في مجالات الإعلام والتسويق وأصبحت كثير من الجهات الحكومية والخاصة تعتمد عليهم في إطلاق الحملات الإعلانية والإعلامية مما يساهم في ارتفاع حجم هذا القطاع ومساهمته في التوظيف.
ودأبت المملكة من خلال عدد من الحملات الإعلانية مثل روح السعودية (Visit Saudi) للترويج للسياحة في المملكة وتعاقدت مع عدد من المؤثرين مثل اللاعب العالمي كريستيانو رونالدو للترويج لوجهات المملكة ولزيارة المملكة وأيضا عملت على عدد من الحملات لتشجيع زيارة المملكة وجذب الاستثمارات العالمية والسياح للوجهات الجديدة مثل البحر الأحمر والعلا مثل مؤتمر مستقبل الاستثمار (FII). وهذه الصورة القوية للمملكة ترفع ثقة المستثمرين وتدفق الاستثمارات الأجنبية للمملكة (FDI)، وزيادة الاستثمارات وخصوصا الأجنبية تساهم في زيادة الإنتاجية ونقل التقنية وخلق وظائف وتحسين الميزان التجاري.
الحملات التسويقية والإعلانية متنوعة ومنها ما يحفز على الاستثمار مثل حملات البنوك وبيوت الاستثمار ومبادرات هيئة سوق المال لنشر الثقافة الاستثمارية. بالإضافة إلى أن هناك حملات تعزز على شراء المنتجات المحلية لدعم الاقتصاد السعودي مثل حملات صنع في السعودية وحملات هيئة المحتوى المحلي لترويج استخدام المنتجات الوطنية والتي توجه المستهلكين للمنتجات المحلية. ووزارة التجارة والصحة أيضا تستخدم الحملات التسويقية والإعلانية للترويج للممارسات المثلى مثل ممارسة الرياضة مثل حملة 30 من وزارة الصحة وغيرها من الحملات التي تعزز الممارسات الجيدة وتقلل الممارسات الغير جيدة وهذا ينعكس على الاقتصاد ومنها يشجع على تقليل الهدر الغذائي وترشيد استهلاك الكهرباء والماء لدعم كفاءة الطاقة.
فالتسويق يعتبر هنا أداة مساندة للسياسات الاقتصادية لأنه يساعد الحكومة والقطاع الخاص على تغيير سلوك الأفراد بما يخدم أهدف الاقتصاد الكلي (زيادة الاستثمار، ممارسة الرياضة، تقليل التكاليف الصحية، تعزيز الإنتاجية). ومن أبرز النماذج الوطنية في هذا السياق تسويق رؤية المملكة 2030 التي لم تُقدَّم كمجرد وثيقة اقتصادية، بل كـ علامة وطنية متكاملة (National Brand) تم تسويقها محليًا وعالميًا لتجسيد صورة المملكة الحديثة الطموحة. وقد ساهم هذا التسويق الاستراتيجي في تعزيز الثقة بالاقتصاد السعودي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحفيز القطاعات الجديدة مثل السياحة، والترفيه، والتقنية، مما جعل رؤية المملكة مثالًا على دور التسويق كأداة من أدوات السياسة الاقتصادية.
الحملات التسويقية والإعلانية لها جانب سلبي فبعضها قد تدفع المستهلكين للشراء فوق احتياجهم، مما يؤدي إلى استهلاك غير مستدام وهذا الاستهلاك المفرط قد يؤدي إلى فقاعة اقتصادية في بعض القطاعات مثل العقار أو السلع الفاخرة. فالسوق والمستهلكين يتأثرون بالحملات التسويقية بدون طلب واقعي على السلع. الإفراط في استهلاك المنتجات والخدمات يقلل من معدلات الادخار والاستثمار طويل الأمد ويؤثر سلبا على الاستقرار المالي للأفراد.
بعض الحملات التسويقية تستخدم المبالغة في وعود على المنتج والخدمات وتضع توقعات عالية على المنتجات والخدمات والتي قد تؤدي إلى تآكل الثقة بالعلامة وبالسوق عندما لا تعكس الوعود التسويقية واقع المنتج. فهذا النوع من الممارسات في التسويق يؤدي إلى تباطؤ الطلب وفقدان الثقة في المؤسسات. من منظور اقتصادي الثقة أساسية لاستقرار الأسواق.
ضعف تنظيم الأسواق يؤدي إلى استغلال المستهلك بأسعار غير عادلة أو أسعار مضللة ونشاهد جهود هيئة سوق المال تكافح الأخبار المضللة التي قد تؤدي إلى الاندفاع للشراء في سهم معين. ووجود تشريعات مثل نظام حماية المستهلك يحافظ على وجود أنشطة تسويقية فعالة وحماية لحقوق المستهلكين، والتشريعات تضمن المنافسة العادلة التي تحمي الشركات الناشئة والصغيرة من الممارسات الاحتكارية.
يتضح مما سبق أن الاقتصاد والتسويق ليسا مجالين منفصلين، بل منظومتان متداخلتان تشكلان معًا ديناميكية النمو والتطور في أي مجتمع. فالتسويق لا يقتصر على تحريك الطلب فحسب، بل يسهم في خلق فرص عمل، وتحفيز الابتكار، وجذب الاستثمارات، ورفع كفاءة تخصيص الموارد الاقتصادية. وفي المقابل، يوفر الاقتصاد البيئة التي تمكّن التسويق من العمل بكفاءة وفعالية.
ولذا، فإن تعزيز التكامل بين الاقتصاد والتسويق لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة استراتيجية، خاصة في ظل الرهانات الكبرى على تنويع الاقتصاد الوطني وتعظيم مساهمة القطاع الخاص. ويُعدّ الاستثمار في البحث العلمي الذي يربط بين هذين المجالين خطوة محورية لفهم أثر التسويق بدقة على الناتج المحلي، وعلى رفاهية المستهلك، وعلى تنافسية المملكة إقليميًا وعالميًا. إننا بحاجة إلى رؤية مشتركة بين الاقتصاديين والمسوقين لصياغة سياسات متوازنة تحفّز النمو وتدعم التنمية المستدامة، وتضع المملكة في مقدمة الدول التي تستثمر في رأس المال الفكري والمعرفي لصناعة مستقبلها.
المقالة منشورة في "نشرة الاقتصاد" الصادرة عن جمعية الاقتصاد السعودية، عدد شوال 1447 هـ - مارس 2026.


