لطالما اعتُبرت كيفية تمويل الشركات لمشاريعها الاستثمارية وتحديد هيكلها الرأسمالي من أهم القضايا في مجال التمويل المؤسسي. ولا تقتصر هذه القرارات على الوضع المالي للشركات فحسب، بل تؤثر بشكل مباشر على العائدات وعلى النزاعات بين مختلف الأطراف المعنية. علاوة على ذلك، فإن استراتيجية هيكل رأس المال المختارة لها تأثير كبير على قيمة الشركات وقدرتها على المنافسة بفعالية في أسواق متزايدة التعقيد والديناميكية.
بدأ النقاش حول هيكل رأس المال بنظرية Irrelevance Theory، والتي تفترض أن هيكل رأس المال لا يؤثر في قيمة الشركة في ظل افتراض أن أسواق المال مثالية تخلو من الضرائب، وتكاليف الإفلاس، وتكاليف المعاملات، وعدم تماثل المعلومات. إلا أنه بمجرد الأخذ في الاعتبار تلك العوامل لا يعد هذا الافتراض صحيحًا ومنذ ذلك الحين، ظهرت عدة نظريات لتفسير كيفية تأثير هيكل رأس المال على قيمة الشركة في ظل وجود تلك العيوب.
من بين هذه النظريات، تُعد نظرية Trade-off Theory، من أكثر الأطر هيمنةً في تفسير ديناميكيات هيكل رأس المال، إذ تفترض أن الشركات تسعى للعمل عند مستوى أمثل من الرافعة المالية تتساوى عنده المنافع الحدية للدين مع تكاليفه الحدية، وبما يؤدي إلى تعظيم قيمة الشركة. إلا أن الشركات قد تنحرف عن هذا المستوى نتيجة ظروف السوق، وعند حدوث هذا الانحراف تتراجع قيمة الشركة، مما يدفع الإدارة إلى تعديل هيكل رأس المال تدريجيًا والعودة إلى المستوى المستهدف خلال فترة زمنية وبسرعة تعديل معينة. لكن عمليًا، عندما تُعدّل الشركات هيكلها الرأسمالي نحو المستوى الأمثل، فإنها تواجه تكاليف تعديل متنوعة تُبطئ عملية التعديل والعودة للمستوى الأمثل. من بين هذه التكاليف، تُعد تكاليف الوكالة Agency Costs من أهم العوامل المؤثرة، لأنها تنشأ بسبب تعارض المصالح بين المديرين والمساهمين. فعلى سبيل المثال، رغم أن استخدام الدين يمكن أن يحدّ من إسراف الإدارة ويزيد من الانضباط المالي، إلا أنه في الوقت نفسه يعرّض المديرين لمخاطر أكبر مثل الضائقة المالية وزيادة الرقابة عليهم. لذلك قد يميل بعض المديرين إلى تجنب مستويات الدين المرتفعة واختيار هيكل رأسمالي أقل من المستوى الأمثل، حتى لو كان ذلك على حساب قيمة الشركة.
تشير دراسات عديدة إلى أنه كلما زادت تكاليف الوكالة داخل الشركة، أصبحت عملية العودة إلى هيكل رأس المال الأمثل أبطأ. وتجدر الإشارة إلى أن تكاليف الوكالة تظهر عادة عندما يكون المُلّاك (المساهمون) كثر ومنفصلين عن الإدارة، فيفوضون المدراء بإدارة الشركة نيابةً عنهم. هنا قد يحدث تضارب في المصالح؛ فالمساهمون يريدون تعظيم قيمة الشركة على المدى الطويل، بينما قد يسعى بعض المديرين إلى تحقيق أهداف شخصية، مثل توسيع حجم الشركة لزيادة نفوذهم أو مكافآتهم، أو التركيز على أرباح سريعة وقصيرة الأجل. هذا الاختلاف في الأهداف قد يؤدي إلى قرارات تمويلية غير مثالية، مما يُبطئ عملية التعديل نحو الهيكل الرأسمالي الأمثل وينعكس سلبًا على قيمة الشركة.
تشير الأدبيات إلى عدة آليات للحد من تكاليف الوكالة، ويُعدّ المستثمرون المؤسسيين من أكثرها فاعلية. ففي الأسواق المالية الحديثة، يؤثر وجودهم في أحجام التداول وتقلبات الأسعار، كما يساهم في تعزيز ممارسات حوكمة الشركات. ووفقًا لفرضية Active Monitoring Hypothesis، فإن خبرتهم المهنية ومهاراتهم التحليلية، وقدرتهم على توزيع تكاليف البحث والمراقبة على محافظ استثمارية واسعة، تمكّنهم من متابعة الإدارة بكفاءة أعلى وتكلفة أقل مقارنةً بالمستثمرين الأفراد. كما أن امتلاكهم حصصًا مؤثرة وحقوق تصويت يمنحهم القدرة على التأثير في القرارات الإدارية بما يخدم مصالح المساهمين ويسهم في تعظيم قيمة الشركة.
وعليه، فإن ممارسة المستثمرين المؤسسيين لدور رقابي فعّال تدفع الإدارة إلى الالتزام بمستوى الرافعة المالية الأمثل. وبناءً على ذلك، يُتوقع وجود علاقة عكسية بين مستوى الملكية المؤسسية والانحراف عن الرافعة المالية. وبالتالي، يُفترض أن الشركات ذات الملكية المؤسسية المرتفعة تتمتع بسرعة تعديل أكبر نحو هيكل رأس المال المستهدف، بما يحدّ من تآكل قيمة الشركة.
وتشير الأدبيات إلى أن تكاليف الوكالة تكون أشد في الشركات ذات فرص النمو المحدودة، إذ قد يميل المديرون في هذه الشركات إلى استثمار الموارد في مشاريع غير مجدية بهدف توسيع حجم الشركة أو تعزيز منافعهم الشخصية، مما يؤدي إلى الإفراط في الاستثمار. لذلك تصبح آليات الرقابة أكثر أهمية للحد من هذا السلوك. ونتيجة لارتفاع تكاليف الوكالة في الشركات منخفضة النمو، تميل عملية التكيف نحو هيكل رأس المال الأمثل إلى أن تكون أبطأ ما لم تتوافر رقابة فعّالة. كما يُتوقع أن يكون دور المستثمرين المؤسسيين في تقليل تكاليف الوكالة وتسريع التكيف أكثر وضوحًا في الشركات ذات فرص النمو المحدودة. أما في الشركات ذات فرص النمو المرتفعة، حيث تكون تضاربات المصالح أقل نسبيًا، فيُحتمل أن يكون تأثير المستثمرين المؤسسيين على سرعة التكيف أضعف.
في دراسة سابقة أجريناها لتحليل تلك العلاقة، وبالاعتماد على بيانات الشركات المدرجة في سوق الأسهم السعودي للفترة 2010–2018، تبين أن متوسط سرعة التكيف نحو هيكل رأس المال الأمثل يتراوح بين 20% و25.4% سنويًا، وهو ما يعني أن الشركات تحتاج تقريبًا من 2.4 إلى 3.11 سنة لسد نصف الفجوة بين الرافعة المالية الفعلية والمستهدفة. كما أظهرت النتائج أن الشركات ذات الملكية المؤسسية المرتفعة تتقارب بشكل أسرع نحو هيكل رأس المال الأمثل. غير أن هذا الأثر الإيجابي يتراجع مع ارتفاع فرص النمو، مما يدل على أن تأثير المستثمرين المؤسسيين في تسريع تعديل هيكل رأس المال يظل مشروطًا بمستوى فرص النمو المتاحة للشركة. وبوجه عام، تؤكد النتائج أن المستثمرين المؤسسيين يمثلون آلية حوكمة فعّالة، لا سيما في الشركات التي تعاني من ارتفاع تكاليف الوكالة. كما أنهم يسهمون من خلال تعزيز الرقابة على الإدارة في تسريع عودة الشركات إلى هيكل رأس المال الأمثل، بما يدعم تعظيم قيمة الشركة ويعزز استقرارها المالي على المدى الطويل.
المقالة منشورة في"نشرة الاقتصاد" الصادرة عن جمعية الاقتصاد السعودية، عدد شوال 1447 هـ - مارس 2026.


