كان قطاع السياحة في السعودية قبل أقل من عقد على هامش الاقتصاد، إمكانات ضخمة، وموارد طبيعية وثقافية وتاريخية هائلة، لكنها شبه معطّلة، لا تحظى بالاهتمام ولا الاستثمار الكافي، تعمل بوضع تقليدي محدود لا يليق بمكانة المملكة ولا بثقلها الجغرافي والحضاري، فجأة ومع انطلاق رؤية 2030 بدأ المشهد يتغير جذريًا، لم يعد القطاع مجرد نشاط تكميلي، بل تحوّل إلى رافعة اقتصادية محورية، وإلى مختبر حيّ لتجربة التغيير الهيكلي الأكثر عمقًا في تاريخ الاقتصاد السعودي الحديث، مشروعات عملاقة تُبنى من الصفر، أعداد هائلة من المرافق الجديدة، تغير في أنماط الطلب، تطور في جودة الخدمات، وارتفاع في إسهام السياحة كقطاع منتج للوظائف وللقيمة الاقتصادية، إن ما يحدث اليوم لم يعد تحسينًا شكليًا أو نموًا تقليديًا، بل إعادة تشكيل كاملة لقطاع كان راكدًا وأصبح محركًا للنمو، وهو ما تظهره بيانات الربع الثالث 2025 بوضوح، حيث تكشف الأرقام عن قطاع يزداد نضجًا واتساعًا ويحفر مكانه باعتباره أحد أهم أعمدة التحول الوطني.

في هذا السياق، تبدو أرقام الربع الثالث من عام 2025 أكثر من مجرد مؤشرات تشغيلية، فهي تمثل قراءة لمرحلة انتقالية يعيشها القطاع، تجمع بين التوسع السريع في العرض والسلوك الجديد للطلب السياحي في المملكة، فقد كشف تقرير الهيئة العامة للإحصاء أن معدل إشغال الفنادق بلغ 49.1% خلال الربع الثالث، بارتفاع 2.9 نقطة مئوية مقارنة بالفترة نفسها من 2024 هذا الارتفاع يشير إلى أن الفنادق رغم الزيادة الكبيرة في عددها تمكنت من الحفاظ على مستوى ثابت من الطلب، وهو ما يعكس نجاحها في الاستفادة من الفعاليات الموسمية والحراك الثقافي والترفيهي الذي بات جزءًا من المشهد السعودي الجديد.
الشقق المخدومة
لكن الصورة تختلف عند النظر إلى الشقق المخدومة ومرافق الضيافة الأخرى، حيث تراجع معدل الإشغال إلى 46.1% مقارنة بـ58% في الربع المماثل من 2024، في انخفاض يعكس ضغوطًا تنافسية نتيجة التوسع السريع في هذا النوع من المرافق، أو انتقال جزء من الطلب إلى الفنادق التي أصبحت أكثر جذبًا بفضل تنوع الخدمات والأسعار التنافسية، هذا التباين يكشف أن السوق لا ينمو بشكل خطي، بل يعيش عملية إعادة تموضع بين أنواع المرافق بحسب تغير تفضيلات الزوار.
ويبدو واضحًا أن جانب العرض شهد تحولات كبيرة خلال الفترة، إذ قفز عدد مرافق الضيافة السياحية المرخصة إلى 5,622 مرفقًا، بارتفاع ضخم بلغ 40.6% عن الربع الثالث 2024، الذي سجل 3,998 مرفقًا فقط. هذه القفزة لا تعبّر فقط عن توسع في الاستثمار، بل تشير إلى مرحلة من بناء بنية تحتية ضخمة تسبق موجة الطلب المستقبلية المتوقع أن تتسارع مع اكتمال المشروعات السياحية الكبرى، الشقق المخدومة شكّلت 52.6% من إجمالي المرافق، فيما شكلت الفنادق 47.4%، وهو توزيع يعكس رغبة المستثمرين في تغطية مختلف شرائح الطلب بين الأسر، والزوار الباحثين عن الإقامة الطويلة، وسياح الفعاليات والإجازات القصيرة.
التنافسية العالية ظهرت أيضًا في حركة الأسعار، فقد انخفض متوسط السعر اليومي للغرفة الفندقية إلى 341 ريالًا مقارنة بـ354 ريالًا في الربع نفسه من 2024، بنسبة تراجع 3.6% هذا الانخفاض يعكس دخول عدد كبير من الفنادق الجديدة إلى السوق، وحرصها على تقديم أسعار جاذبة لتحقيق حضور سريع، في الوقت نفسه ارتفع متوسط السعر اليومي في الشقق المخدومة إلى 208 ريالات، مقارنة بـ200 ريال في العام السابق، بنسبة نمو 4.1%، وهو ارتفاع يبدو متناقضًا مع انخفاض الإشغال، لكنه يعكس أن هذه الفئة تستهدف شرائح أقل حساسية للسعر، خاصة من الزوار الذين يبحثون عن خصوصية ومساحات أوسع.
من ناحية الطلب، بقي متوسط مدة الإقامة مستقرًا على نحو يعكس طبيعة الحركة السياحية الحالية في المملكة. فقد بلغ متوسط مدة الإقامة في الفنادق 4.1 ليالٍ مقابل 4.2 في العام السابق، فيما تراجعت المدة في الشقق المخدومة إلى 2.1 ليلة مقارنة بـ2.2 ليلة في الفترة ذاتها من 2024 هذا النمط يتسق مع انتشار الفعاليات القصيرة والمتوسطة المدة، ومع ازدياد الإقبال على السياحة الداخلية القائمة على الزيارات السريعة.

أما على مستوى سوق العمل، فقد سجل القطاع واحدة من أهم دلالات التحول الاقتصادي، إذ ارتفع عدد المشتغلين في الأنشطة السياحية إلى 1,009,691 مشتغلاً، بزيادة 6.4 % عن الربع الثالث 2024 الذي سجل 948,629 مشتغلاً. هذا النمو الكبير يؤكد أن السياحة أصبحت قطاعًا مولدًا للوظائف على نطاق واسع، ورغم أن غير السعوديين يشكلون 75.7% من القوى العاملة، فإن وجود 245,171 سعوديًا يعملون في القطاع بنسبة 24.3% يشكّل قاعدة مهمة يمكن البناء عليها في برامج التوطين، خصوصًا مع ازدياد الفرص في الإدارة، والضيافة، والخدمات التشغيلية، مشاركة النساء بلغت 13.3%، وهي نسبة ما زالت دون الإمكانات المتوقعة، لكنها مرشحة للنمو مع توسع التدريب والفرص الجديدة.
وتكشف هذه الأرقام أن قطاع السياحة السعودي لم يعد قطاعًا هامشيًا أو مكمّلًا، بل أحد القطاعات التي تعيش تحولًا هيكليًا عميقًا، مدفوعًا بالاستثمارات الضخمة، وتغير أنماط الاستهلاك، وتنامي المكانة العالمية للمملكة كوجهة سياحية وتجارية وثقافية، ما يحدث اليوم ليس نموًا اعتياديًا، بل تأسيس لبنية اقتصادية جديدة، تُبنى فيها مرافق الضيافة بوتيرة سريعة، وتتغير فيها تفضيلات الزوار، ويعاد فيها تشكيل سوق العمل، ومع استمرار المشروعات الكبرى واقتراب اكتمالها، يبدو أن القطاع يقف على أعتاب مرحلة ازدهار أكبر ستجعل السياحة أحد أهم محركات الاقتصاد الوطني في السنوات المقبلة.
نقلا عن جريدة الرياض



السعودية تتالق بكل شي دام عزها , تحول وتحسن سلس في كل القطاعات الخدماتية ماشاءالله تبارك الرحمن ، ادام الله عراب الروؤية فوق رؤوسنا.. باقي المشكلة الوحيدة هي فرص الاستثمار للاشخاص العاديين , الموظفين والمتقاعدين واللي عندهم بزنس ويبغون تنمية المدخرات , ما هي الفرص المجدية؟ قليلة للغاية ومعظمها بلا الفائدة تستنزف اموالنا.. على صعيد شخصي بالنية وعن طريق الصدفة ساهمت باحدى بنوك الاستثمار في الامارات وكانت المفاجأة ان هذا البنك غير كل شي شفته وهو تجارة كابيتال الاماراتي حيث يوفرون ادارة كاملة للحساب والاداء قوي جدا واحصل لي ارباح شهرية مستدامة وعالية جدا هذا ساعدني الكثير في المصاريف والتوفير والراحة وهذا كل ما كنا نبغاه طوال هذه السنين لكن ماذا مع جهات اخرى ؟ نامل ونرجوا تعزيز هذا القطاع أيضا لكي ننافس