شهدت الأسواق السعودية خلال الأعوام الأخيرة تحولات لافتة في أنماط البيع بالتجزئة، كان أبرزها الانتشار الواسع لما يُسمّى بمراكز التخفيضات، هذه المراكز التي تغزو المدن باللافتات الحمراء والأسعار التي تبدو غير قابلة للمنافسة، اكتسبت شعبية سريعة بين المستهلكين، لكنها في المقابل خلّفت وراءها سلسلة من الإشكالات الاقتصادية التي تستحق التوقف والتحليل، خصوصاً مع اتساع آثارها على السوق المحلي وتوازناته.
تبدأ الحكاية بمتجر ضخم يفتح أبوابه بعروض خيالية، يقدّم آلاف السلع بأسعار تخطف الأنظار وتستقطب المستهلك الباحث عن الصفقة الأفضل، إلا أن ما يبدو كفرصة ذهبية يخفي وراءه شبكة من الممارسات التجارية غير المنضبطة، ففي كثير من الحالات، لا تنبع تلك التخفيضات من كفاءة في سلسلة التوريد أو شراء بالجملة، بل من استيراد منتجات رديئة، أو إعادة تصريف مخزون منخفض الجودة، أو إظهار خصومات مبالغ فيها لا تستند إلى تكلفة فعلية.
هذه السياسات تنعكس مباشرة على عدالة المنافسة، فالمتاجر التقليدية التي تعمل ضمن هوامش ربح واقعية وتلتزم بمعايير الجودة تجد نفسها عاجزة أمام موجة الأسعار غير المنطقية، ما يسبب خروج بعض المشاريع الصغيرة والمتوسطة من المشهد أو انكماشها، ويزداد الخطر على المنتجات الوطنية التي تُقارن ظلماً بسلع منخفضة الجودة، فتنخفض حصتها السوقية رغم جودة تصنيعها، وتضعف قدرتها على الاستمرار والمنافسة.
ولا يتوقف التأثير عند حدود المنافسة، بل يمتد إلى الجانب المالي والرقابي، إذ تمارس بعض هذه المراكز أساليب تهرب ضريبي من خلال إخفاء جزء من المبيعات، أو تدوير البضائع بين الفروع لتضليل الجهات الرقابية، ما يخلق فجوات في الإيرادات الضريبية ويؤثر على شفافية السوق، ومع التوسع المتسارع في افتتاح الفروع، تعتمد بعض هذه المتاجر على التوسع بالدين، ومشتريات بالآجل، والتزامات مالية تتجاوز قدراتها التشغيلية، وعندما تتراكم الخسائر إلى نقطة الانهيار، تُغلق الفروع فجأة أو تعلن الإفلاس، تاركة خلفها مورّدين متضررين وشركات محلية فقدت رأسمالها.
وفي نهاية المطاف، يتضرر المستهلك نفسه، فعندما يصبح السوق مشوهاً وتغيب الجودة الحقيقية، يدفع المستهلك سعر السلعة مرتين: مرة عند الشراء الرخيص، ومرة عند الحاجة لاستبدالها سريعاً، كما يفقد الثقة في العروض والأسعار، ويصبح الحكم على الجودة أكثر صعوبة في بيئة يغلب عليها الضبابية التجارية.
إن معالجة هذه الظاهرة تتطلب رقابة أكثر صرامة، وتعزيز الشفافية في الإفصاح، ورفع وعي المستهلك، وتطبيق أنظمة المنافسة بشكل صارم يحفظ حقوق جميع الأطراف، فالسوق الصحي لا يُبنى على الخصومات الدائمة، بل على جودة تُحترم، وعدالة تُطبق، ونمو اقتصادي مستدام.
نقلا عن جريدة الرياض



شكرا حسين على محاولة كشف الاعيبهم (بئس الجار) !