جودة على الورق

12/02/2026 0
حسين بن حمد الرقيب

تواجه منظومة الاستيراد اليوم تحديًا يتجاوز الجوانب التنظيمية المعتادة، ويتمثل في الفجوة بين الامتثال الشكلي لمتطلبات التسجيل وبين جودة المنتجات التي تصل فعليًا إلى السوق، فمن حيث المبدأ، طوّرت الجهات التنظيمية أنظمة لحماية المستهلك وضبط جودة السلع قبل دخولها البلاد، إلا أن التطبيق العملي يكشف عن أن جزءًا معتبرًا من هذه الإجراءات لا يتجاوز المستوى الورقي.

يرجع ذلك إلى الاعتماد الواسع على شهادات مطابقة تصدرها جهات فحص خارجية، ما يجعل عملية التحقق المسبق بعيدة عن الإشراف الوطني المباشر، وتزداد المشكلة حين تُدرج مجموعات كبيرة من المنتجات تحت تصنيفات عامة أو عائلات فنية واسعة، وهو ما يسمح بمرور منتجات متفاوتة في الجودة ضمن فئة واحدة، رغم اختلاف خصائصها الفنية، وبهذا يصبح الالتزام الظاهري كافيًا لعبور بوابة النظام، فيما تبقى الجودة الفعلية خارج نطاق التقييم الدقيق.

هذا الوضع ينعكس مباشرة على العدالة التنافسية، فالمنتجات منخفضة الجودة تدخل السوق بتكاليف منخفضة، ما يدفع المنافسة نحو الأسعار بدل القيمة والجودة، وتتعزز حالة الاضطراب حين تعتمد هذه المنتجات على شعارات مطابقة تمنح المستهلك انطباعًا مضللًا بالأمان، بينما الواقع يعكس تفاوتًا كبيرًا في مستوى الجودة.

أما المنشآت الوطنية الملتزمة، فهي المتضرر الأكبر، فهي تستثمر في منتجات عالية الجودة وتتحمل تكاليف أكبر للامتثال، لكنها تجد نفسها في مواجهة منافسين يستفيدون من ثغرات التنظيم، ومع الوقت، تتآكل قدرتها على المنافسة والتوسع، وتتراجع جودة المعروض في السوق ككل.

الحل لا يكمن في زيادة الرقابة داخل السوق فحسب، بل في إصلاح الحلقة الأهم: مرحلة التحقق المسبق. ويتطلب ذلك أدوات اعتماد أكثر دقة، ومراجعة آليات التصنيف، وتقليل الاعتماد على شهادات خارجية دون معايير موحدة، فبناء سوق عادل ومستدام يبدأ بضمان أن الجودة ليست خيارًا، بل شرطًا أساسيًا لدخول أي منتج إلى السوق.

 

نقلا عن جريدة الرياض