في المشهد الاقتصادي السعودي اليوم، لم يعد التهرب الضريبي ظاهرة هامشية يمكن التعامل معها كأخطاء فردية أو حالات معزولة، بل أصبح سلوكاً منظماً يهدد عدالة السوق، ويضرب في الصميم جهود تنويع الإيرادات وحماية المستثمر الوطني، الأخطر من ذلك أن هذه الممارسات تُرتكب في وضح النهار، وأمام أعين الجميع، دون رادع يوازي حجم الضرر.
التهرب الضريبي لم يعد يقتصر على التحايل المحاسبي أو إخفاء الإيرادات بطرق ملتوية، بل تطوّر إلى أسلوب منافسة عدائي تمارسه منشآت، كثير منها مملوك لمستثمرين أجانب أو تعمل تحت غطاء التستر التجاري، هؤلاء يستخدمون التهرب كأداة للمنافسة غير الشريفة، عبر خفض الأسعار بشكل غير مشروع، مستندين إلى معادلة بسيطة: لا ضريبة، لا فاتورة، والدفع نقدًا.
المؤسف أن هذه الممارسات لم تعد خفية أو ذكية، بل أصبحت وقحة وصريحة، حيث يُعرض على الزبون إعفاؤه مقابل الدفع النقدي وبدون فاتورة، في مخالفة يعلم بها البائع والمشتري معاً، لا يمكن الادعاء هنا بغياب المعرفة أو صعوبة الاكتشاف، فهؤلاء معروفون في قطاعات كاملة، ويتعاملون بثقة نابعة من شعورهم بأن المساءلة إما ضعيفة أو بعيدة.
الضرر الناتج عن هذا الواقع لا يقع على الخزينة العامة للدولة، بل يمتد إلى بنية السوق نفسها، فهو يعاقب الملتزم، ويكافئ المخالف، ويزرع رسالة سلبية مفادها أن الالتفاف على النظام أكثر ربحية من احترامه، ومع استمرار هذا الخلل، تتآكل ثقة المستثمر السعودي، وتُشوَّه بيئة الأعمال، وتُفرغ الأنظمة من مضمونها.
هنا لا يمكن إعفاء الجهات المختصة من المسؤولية، فوجود الأنظمة لا يكفي ما لم تُفعَّل بصرامة، ولا جدوى من الرقابة الإلكترونية إذا تُركت المخالفات الميدانية دون مواجهة مباشرة، المطلوب انتقال حاسم من منطق "الرصد" إلى منطق "الضبط والعقوبة"، وبأسلوب يوازي جرأة المخالفين.
كما أن الاعتماد الحصري على الأنظمة الآلية أثبت محدوديته، السوق يحتاج إلى رقابة بشرية فعّالة، والاستعانة بمراقبين سعوديين ميدانيين، مع حوافز مالية مجزية مرتبطة باكتشاف المخالفات، لم تعد خياراً ثانوياً بل ضرورة عاجلة، فالمعلومة في السوق متاحة، ومن يعيش تفاصيله يعرف أين الخلل ومن يمارسه.
خلاصة القول: التهرب الضريبي اليوم ليس مجرد مخالفة، بل تحدٍ مباشر لعدالة السوق وهيبة النظام، وإذا لم تُواجَه هذه الممارسات بحزم واضح ومسؤولية صريحة من الجهات المختصة، فإن كلفة التراخي ستكون أعلى بكثير من أي ضريبة لم تُحصَّل.
نقلا عن جريدة الرياض

