في السنوات الأخيرة، أصبحت السيولة الخاملة أحد أبرز المؤشرات التي يراقبها المحللون في السوق المالية، ليس بوصفها رقماً على لوحة البيانات، بل باعتبارها عاملاً مؤثراً في ديناميكية السوق واتجاهاته المستقبلية. فوجود مستويات مرتفعة من السيولة غير المستثمرة يعكس حالة من التردد والحياد، وله دلالات أعمق تتجاوز مجرد الاحتفاظ بالأموال في قنوات منخفضة المخاطر.
عند تحليل سلوك المستثمرين، يتضح أن السيولة الخاملة تتزايد عادة في البيئات التي يسودها عدم اليقين. فالتقلبات الجيوسياسية، وتضارب الإشارات الاقتصادية العالمية، وتغير سياسات البنوك المركزية كلها عوامل ترفع مستويات الحذر، خصوصاً لدى المؤسسات المالية التي تدير محافظ ضخمة وتحتاج إلى رؤية أوضح قبل اتخاذ قرارات طويلة الأجل. ومع ارتفاع أسعار الفائدة، أصبح الاحتفاظ بالسيولة خياراً ذا تكلفة فرصة أقل، ما دفع جزءاً كبيراً من رؤوس الأموال إلى الابتعاد مؤقتاً عن الأصول عالية المخاطر.
من زاوية تقييم السوق، تشير السيولة الخاملة إلى ضعف في شهية المخاطرة وانخفاض في عمق التداولات، وهو ما ينعكس على حجم السيولة المتداولة الفعلي وعلى قدرة الشركات المدرجة على جذب تمويل جديد. وحتى في الفترات التي تظهر فيها موجات انتعاش قصيرة، يظل المستثمرون الأكثر احترافية مترددين في إعادة توزيع السيولة طالما ظلت الرؤية غير مكتملة أو غابت المحفزات الجوهرية.
الأثر الاقتصادي لهذه الظاهرة لا يمكن تجاهله. فكلما طال ركود السيولة، تأخر تدفقها نحو المشاريع الإنتاجية، وازدادت كلفة التمويل بالنسبة للقطاع الخاص، وتراجعت فرص التوسع والنمو. وعلى مستوى السوق المالية، يؤدي استمرار هذه الحالة إلى ضمور الزخم الاستثماري وتدني مستويات التقييم، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على السيولة كمحرك رئيسي لارتفاع الأسعار.
ومع ذلك، فإن السيولة الخاملة ليست بالضرورة مؤشراً سلبياً بالكامل. فالمستثمرون المحترفون يدركون أنها تشكل “وقوداً مؤجلاً” قد يدفع السوق بقوة عند ظهور محفز واضح. فعندما تتحسن المؤشرات الكلية وتستقر البيئة الاقتصادية، تتحول هذه السيولة إلى قوة شرائية قادرة على إعادة تشكيل اتجاهات السوق وإعادة تسعير الأصول بشكل سريع.
في المحصلة، تعكس السيولة الخاملة اليوم حالة انتقالية بين الحذر والانتظار، وتدل على أن المستثمرين يبحثون عن رؤية مستقبلية أكثر وضوحاً قبل العودة إلى المخاطرة. وبالنسبة للمحللين ومديري المحافظ، يبقى تتبع هذه السيولة وفهم دوافعها جزءاً أساسياً من قراءة المشهد وتوقع موجات الحركة القادمة في السوق المالية.
نقلا عن جريدة الرياض

