من أين لك هذا؟

24/03/2021 0
عبد الحميد العمري

تنطلق المواجهة الحقيقية مع الفساد ومخاطره الوخيمة على أي اقتصاد ومجتمع، من بعد الإجابة الموثقة بالأدلة الدامغة عن هذا السؤال، فتبدأ من جانب بالعمل على إصلاح ما أفسده فساد المفسد، والعمل بكل طاقة متوافرة على إعادة بناء ما تسبب فيه من فقدان للحقوق والمكتسبات وهدر وقعت آثاره على الأطراف المتضررة، وتعمل من جانب آخر على زيادة فعالية الإجراءات الرقابية، وقد تصل إلى مزيد من مراجعة وتطوير الأنظمة والبرامج والسياسات، لسد الثغرات أو أوجه القصور التي تم تجاوزها أو استغلالها من المتورطين في مخالفات الفساد بكل أشكاله، لمنع تكرار تلك المخالفات، ولتحصين مقدرات البلاد والعباد من أطماع كل من تسول له نفسه سرقتها واختلاسها.

إن الجهود المهمة والكبيرة جدا التي دأبت هيئة الرقابة ومكافحة الفساد على بذلها بصورة متصاعدة، والتزامها بتنفيذ التوجيهات الحازمة من لدن القيادة الرشيدة - أيدها الله - بالضرب بكل قوة وحزم على الفساد والمفسدين، والعمل الدؤوب على تنقية الاقتصاد الوطني من أشكاله كافة، أؤكد أنها الجهود التي انعكست وستنعكس بمزيد من الإيجابيات الكبيرة على تحسن كل من النمو الاقتصادي، وبيئة الاستثمار المحلية، وأداء الأجهزة العامة، وزيادة جاذبية الاستثمار الأجنبي، وارتفاع كفاءة الإنفاق الحكومي، إضافة إلى تحسن عوائد الأوعية الضريبية، وانعكاسه إيجابيا على الإيرادات غير النفطية، وكل هذا سيصب في مصلحة التنمية الشاملة والمستدامة، وتحسن مستويات المعيشة بالنسبة لأفراد المجتمع، ويسهم بدوره في تحقق مزيد من عدالة نيل فرص الحياة الكريمة أمام الجميع، وأن تتشكل منظومة أكثر توازنا واستقرارا ومتانة للأطر الثلاثة الرئيسة ممثلة في أجهزة الدولة، منشآت القطاع الخاص، أفراد وأسر المجتمع.

تمثل المجالات المشار إليها أعلاه، التي ستجني إيجابيات محاربة الفساد والحد منه أكثر المجالات تضررا من تفشي أشكال الفساد المالي والإداري وخلافه، بدءا من تباطؤ النمو الاقتصادي، والإحجام عن ضخ الاستثمارات محليا ومن خارج الحدود، وترهل أداء الأجهزة العامة، وتعرض الأموال العامة والأصول الثابتة للهدر والاختلاس والسرقة، ولا جدال بعدئذ على الآثار السلبية المحتملة لكل تلك الأضرار الفادحة في الأجلين المتوسط والطويل على مقدرات البلاد والعباد، وما ستسهم في إحداثه بحق خيارات الحياة الكريمة للعموم، وقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك، أن الفساد بكل أشكاله وقف خلف أغلب التشوهات والمعوقات التنموية التي طالما عاناها الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء خلال العقود الماضية، بدءا من ترهل أداء الأجهزة العامة، مرورا بانخفاض مستوى خدماتها، وصولا إلى تعثر تنفيذ كثير من مشاريعها التنموية، عدا تشبع إجراءات التعامل معها بما لا حصر له من المعوقات البيروقراطية الكأداء، أفضت في مراحل تالية إلى رواج أشكال الفساد الإداري والمالي للقفز على تلك المعوقات المفتعلة. ثم تفاقمت إلى اختلاس وتزوير ملكية مساحات شاسعة من الأراضي، واحتكارها دون أي وجه حق لعقود طويلة، وتحويل أحد أهم عناصر الإنتاج في الاقتصاد والانتفاع المجتمعي إلى مخزن للثروات والأموال، زاد من لهيب أسعارها اندفاع جزء من الأموال الباحثة عن فرص استثمارية ولم تجدها نحو المضاربة على ما بقي محررا من تلك الأراضي، ليغوص على أثر ذلك كل من البلاد والعباد في براثن شبكة هائلة من حلقة التضخم المتصاعدة، ضربت بآفاتها الآثمة تكاليف الإنتاج والتشغيل وتكلفة المعيشة، وأعاقت عاما بعد عام أغلب محفزات النمو والاستقرار الاقتصاديين، وضغطت كثيرا على دخول الأسر والأفراد وأوقعتها في ورطة قروض بنكية لا نهاية منظورة لها، إما نتيجة ارتفاع تكلفة تمويل شراء المساكن، أو نتيجة اضطرار أغلب الأفراد للاقتراض استهلاكيا لمواجهة ارتفاع أعباء المعيشة والإيجارات تحديدا، كان تضخم أسعار الأراضي والعقارات المسؤول الأكبر عن كل هذا.

يجب أن يدرك كل فرد ومسؤول في أي موقع كان، في القطاع العام أو الخاص، أنه سيواجه محددات كثيرة للرقابة والمراجعة، ليس أولها ولا آخرها: من أين لك هذا؟ وأن فرص إفلاته من قوة النظام والمتابعة أصبحت ضيقة جدا، وأن عليه الاعتبار من أحوال غيره ممن ظنوا فيما مضى من الزمن، أنهم أفلتوا من المحاسبة والتحقيق معهم، وما آلت إليه نهايتهم المؤسفة جدا، ولا ولم ينفعهم الأسف والندم، وهو المثال الواضح الجلي لكل من قد تسول له نفسه بسوء، وهو ما زال في بر الأمان.

الجميع يقف صفا واحدا، واضعا يده بيد جميع الجهود الوطنية المخلصة، التي يتولى قيادتها وتنفيذها خادم الحرمين الشريفين، وولي عهده الأمين - أيدهما الله -، وصولا ببلادنا واقتصادها ومجتمعها إلى احتلال الموقع الأفضل والريادي المستحق دوليا وإقليميا، ولا يقف في الصف المخالف لهذا التوجه إلا من كان خارجا عن إرادة وحلم هذه البقعة الطاهرة من الأرض، وسواء علم أو جهل هذا المخالف، فالمؤكد أن ضربة الإصلاح، ولا غيرها، هي بالتأكيد ما ينتظره في نهاية الطريق، ولا مجال هنا لأي تأخير أو مماطلة قد ينتج عنها أي تعطيل أو تعثر لمسيرة النمو والنهوض الاقتصادي، التي وضعتها بلادنا قيادة وشعبا، وصولا إلى الأهداف العظمى لرؤيتنا 2030: (لن نتهاون أو نتسامح مطلقا مع الفساد بكل مستوياته، سواء أكان ماليا أم إداريا. وسنستفيد من أفضل الممارسات العالمية لتحقيق أعلى مستويات الشفافية والحوكمة الرشيدة في جميع القطاعات. وسيشمل ذلك اتخاذ كل ما هو ممكن لتفعيل معايير عالية من المحاسبة والمساءلة، عبر إعلان أهدافنا وخططنا ومؤشرات قياس أدائنا ومدى نجاحنا في تنفيذها للجميع، وسنعمل كذلك على توسيع نطاق الخدمات الإلكترونية، وتحسين معايير الحوكمة، بما سيحد من التأخير في تنفيذ الأعمال، وتحقيق هدفنا في أن نقود العالم في مجال التعاملات الإلكترونية) "ص 60" وثيقة رؤية المملكة 2030

 

 

 

نقلا عن الاقتصادية