الريال والدولار

01/09/2020 6
فواز حمد الفواز

من وقت لآخر نسمع عن دعوة لمراجعة العلاقة بين الريال والدولار. تأخذ الدعوة ثلاثة توجهات تشترك في "التغيير" ولكنها تختلف في المنطق والهدف والدرجة. فهناك دعوة للتعويم وأخرى لتعديل أسعار الصرف وهناك دعوة لربط الريال بسلة عملات منها الدولار. إدارة العملة مهمة جدا ولكنها ليست علاجا لكل التحديات المالية والاقتصادية، بل هناك مخاطر من التعويل عليها دون إعطاء الحيثيات الاقتصادية حقها، إذ هي في الأغلب نتيجة الأداء الاقتصادي، ومرات قليلة أداة توظف بحرص. لنستعرض الخيارات تباعا في عمود واحد باختصار شديد.

حالة العملة تعبير عن الحالة الاقتصادية والمالية لذلك العملة المعومة في اقتصاد مفتوح تعكس اقتصادا إنتاجيا واضحا في نماذج إنتاجه وعلاقاته الداخلية (الترابط الأفقي والرأسي)، وعلاقاتها التجارية من خلال ميزان المدفوعات التجاري والرأسمالي. أعتقد أن الاقتصاد الوطني يتحرك نحو هذا الاتجاه ولكن هناك عدة مراحل قبل الوصول إلى مرحلة التعويم. التعويم يرادف الثقة بالكفاءة الاقتصادية والمرونة في حراك المحركات والمكونات في تناغم. تأخذ الحكومة بخطوات عملية مثل تطوير الصناعة والسياحة والاستثمار في البنية التحتية والشفافية ومحاربة الفساد لكن التوصل إلى محطة التعويم يتطلب جهودا أكثر لكيلا يتحول التعويم (هناك درجات من التعويم) إلى تحد آخر يتطلب تكاليف إضافية.

تعديل أسعار صرف الريال مقابل الدولار ربما في رأيي الشخصي هو الأنسب كإحدى أدوات السياسة المالية والنقدية. ولكن حتى هنا يجب التفريق بين المالي تعديل سعر الصرف لتقليل تكاليف الحكومة لأن دخل النفط تقلص ومصروفات الحكومة ارتفعت، إذ تعديل تخفيض الريال مقابل الدولار يسمح للحكومة بارتفاع المصروفات بالريال وبين الحاجة إلى تعديل الصرف لأهداف تجارية، إذ إن انخفاض العملة قد يساعد في تسعير الصادرات لجعلها أكثر جاذبية للدول الأخرى رفع أسعار الواردات - آلية أصبح دورها أقل أهمية بسبب تنامي دور سلسلة الإمداد الدولية. تعديل سعر الصرف قد لا يغير كثيرا في السياسة النقدية (لأن تثبيت الريال مع الدولار يجعل سياسة أسعار الفائدة في رتابة مع أسعار الفائدة على الدولار) حتى تتغير طبيعة الحيثيات الاقتصادية مثل التعميق (الترابط الأفقي والرأسي) والإنتاجية والتوطين. جاذبية تعديل سعر الصرف تأتي كأداة فاعلة وعنيفة للسيطرة على التكاليف العامة خاصة الثابتة منها كالرواتب مقارنة برفع الضرائب لأن الرقابة على الضرائب مكلفة إداريا، كما أن تأثير الضرائب غير متماثل. أحيانا يكون سعر الصرف العالي قناة دعم لتجارة التوريد من الخارج. البديل الأكثر تكلفة هو التحكم في تحويلات العملة الصعبة خاصة في رقابة أنواع من التهرب والتهريب. التكلفة الأساسية في تخفيض الريال مقابل الدولار تأتي ربما في تسارع التحويلات مرحليا على الأقل ودرجة من عدم اليقين.

الخيار الثالث يستحق بعض التفكير لأنه ربما يجمع بين تغير تدريجي بين مركزية الدولار عالميا وأيضا بسبب تغير موضوعي في سلة السلع المستوردة والمصدرة وتغير في ترتيب الدول الأهم تجاريا للمملكة وتصاعد أهمية الصين وأوروبا على حساب أمريكا من ناحية (ارتفع مركز الرنمينبي الصيني ليصبح خامس أهم عملة في المدفوعات العالمية)، والفرصة في تمرير تخفيض للريال مقابل سلة عملات يكون فيها الدولار هو الأهم ما دام النفط مقوما بالدولار، كذلك ما زال العملة الأهم في الاحتياطيات المالية عالميا. لهذا الخيار تكلفة إدارية وربما ضعف في التسبيب الاقتصادي وسوء فهم من التذبذب.

الحالة في المملكة مريحة خاصة بعد وضوح دور المملكة المركزي في إدارة أزمة النفط الأخيرة. سياسة أسعار الصرف تبدأ موضوعيا بتحديد قوة العناصر الأساسية التي منها إدارة المالية العامة بجميع عواملها (حجم الميزانية والرصيد والعجز والدين) ودرجة التقدم في التحول الاقتصادي والتوقعات حول أسعار النفط. التفكير استباقيا ربما يميل إلى تخفيض الريال مقابل الدولار. يبدو لي وكرأي شخصي أن الخيار الثاني هو الأنسب مرحليا على الأقل للأعوام القليلة المقبلة وتعجيل تعميق الاقتصاد الوطني. ليس هناك بديل عن الدولار في المدى المنظور، خاصة أن السياسة الحالية ما زالت تخدمنا ولكن لا بد من المرونة. التعويم خيار مثالي لا نستطيع تحمل مخاطره وتكاليفه في المدى المنظور ولكنه سيبقى هدفا في المدى البعيد، لعل أفضل مرادف للتعويم هو مدى كفاءة وجودة التعليم، يسهل الحديث عنه ولكنه عصي التفعيل. الخيار الثالث وارد وقد يكون مناسبا بعد عدة أعوام ربما بعد إعطاء الخيار الثاني فرصة.

 

نقلا عن الاقتصادية