عوائد زوال التضخم العقاري

02/04/2018 8
عبد الحميد العمري

أدى الارتفاع الصاروخي لأسعار الأراضي والعقارات، وتكلفة الإيجارات السكنية والتجارية على حد سواء، تحديدا خلال الفترة الزمنية 2007 ــ 2014 إلى رفع تكلفة الإنتاج والتشغيل والمعيشة، وتفاقمت مع تلك الارتفاعات السعرية غير المبررة على الإطلاق، كون أغلبها جاء نتيجة تراكم كثير من التشوهات في السوق العقارية المحلية، بدءا من الاحتكار الذي كان باسطا نفوذه على أغلب مخططات الأراضي داخل المدن الرئيسة، مرورا بالمضاربات المحمومة على ما بقي محررا منها، يضاف إليه تعثر مئات المساهمات العقارية، التي عطلت الاستفادة التنموية من مساحات مخططات أراضي فاقت مئات الملايين من أمتار الأراضي، ودخول الاقتصاد والمجتمع في حلقة مفرغة ومفزعة في الوقت ذاته من صعود صاروخي لأسعار الأراضي والعقارات وتكلفة الإيجارات.

اصطدمت لاحقا تلك الفقاعة العقارية بعديد من العوامل الرئيسة التي فرملتها بداية، سرعان ما بدأت في تفريغ شحناتها السلبية اقتصاديا واجتماعيا، وهي الآن تمضي في طريق تحجيمها وتفريغها تماما من كل أشكال التضخم السعري الخطير الذي وصلت إليه سابقا، وسيستمر ذلك التحجيم لعدة أعوام قادمة بمشيئة الله تعالى، بالتزامن مع يتم تنفيذه خلال المرحلة الراهنة ومستقبلا من برامج وخطط إصلاحية، تحت مظلة "رؤية المملكة 2030"، التي تستهدف التحول بوضع الاقتصاد الوطني نحو الاعتماد بدرجة أكبر على تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وتوطيد فرص استقرار الاقتصاد على أسس واسعة ومتعددة، والنأي به عن وضعه السابق الذي كان معتمدا فقط وبصورة كبيرة على النفط، سيكون إحدى نتائج تحقق هذا التحول الوطني والاستراتيجي المهم والعملاق للاقتصاد والمجتمع، أن يتم القضاء بأكبر قدر ممكن على كافة التشوهات التي ظهرت وسيطرت على مقدرات الاقتصاد الوطني، ومن ضمنها بطبيعة الحال تلك التشوهات الهيكلية التي أفضت إلى تشكل الفقاعة الخطيرة للعقار، وبزوال تلك التشوهات فلا شك أن إحدى نتائجها هو زوال تلك الفقاعة السامة إنتاجيا ومعيشيا.

كل ذلك سينعكس إيجابيا على بيئة الأعمال المحلية، عبر انخفاض تكلفة الاستثمار في الأراضي والبناء والتشييد، إضافة إلى انخفاض تكلفة الإيجارات الكبيرة على كاهل ميزانيات منشآت القطاع الخاص، ما سيسهم في تعزيز قدرتها المالية على امتصاص ارتفاع أية بنود أخرى للتكاليف كرسوم العمالة الوافدة والبلدية وغيرها من الرسوم الحكومية المفروضة لاحقا. أيضا سيسهم زوال تلك الفقاعة السامة في تحسين الظروف المعيشية لأفراد المجتمع، سواء عبر انخفاض استقطاعات الإيجارات السكنية، أو عبر انخفاض تكلفة تملك الأرض أو المسكن، أو عبر انخفاض تكلفة المعيشة عموما نظرا لانخفاض الإيجارات على المحال والمنشآت في القطاع الخاص، التي تقدم بمقابل مالي خدماتها ومنتجاتها لعموم أفراد المجتمع في الأسواق المحلية، وما ذاك إلا أحد عوائد عديدة وكبيرة ستنتج عن انخفاض الأسعار المتضخمة دون مبرر مقبول لمختلف الأصول العقارية المحلية. كل هذا سيحفز بمشيئة الله من قدرة الاقتصاد الوطني عموما، والقطاع الخاص على وجه الخصوص، للوفاء بمتطلبات النمو الاقتصادي المأمول تحقيقه، وللوفاء بأسباب التكيف السلس مع وتيرة الإصلاحات الهيكلية الراهنة التي يتم إجراؤها على الاقتصاد الوطني، والتي ستستغرق عدة أعوام قادمة، سيكون من أهم عوائدها المثلى؛ منح منشآت القطاع الخاص مزيدا من القدرات والإمكانات ليس فقط للتكيف مع آثار الإصلاحات الهيكلية، بل بمنحها مزيدا من القدرة على زيادة وتوفير مئات الآلاف من فرص العمل أمام نحو 1.5 مليون طالب عمل من المواطنين والمواطنات في الوقت الراهن، وتوفير مثلها تقريبا خلال الأعوام الخمسة القادمة أمام مخرجات التعليم العام والفني والعالي المرتقبة مستقبلا، وهو الأمر الذي لم يكن في القدرة توفير حتى 10 في المائة منه في ظل استدامة فقاعة العقار على وجهها السابق، حتى مع ارتفاع أسعار النفط أعلى من 100 دولار أمريكي للبرميل خلال الأعوام الماضية.

إن ما نشهده اليوم، وما سيستمر حدوثه طوال الأعوام القليلة القادمة بإذن الله تعالى، من انخفاض للأسعار في سوق العقار المحلية، يعزى بالدرجة الأولى إلى انخفاض وتيرة التعاملات على الأراضي بدافع الاكتناز والاحتكار والمضاربة، التي كانت تغذي وجودها تشوهات هيكلية هائلة، ونتيجة لاصطدم السوق العقارية بعديد من المتغيرات والعوامل العكسية، التي ظلت ضغوطها تتنامى طوال الأعوام الأربعة الماضية، إلى أن أصبحت في وزنها الثقيل الراهن. ويتوقع أن يستمر تنامي تلك الضغوط على أداء السوق العقارية لعدة أعوام قادمة، ستدفع بها إلى مزيد من التصحيح في مستوياتها أسعارها المتضخمة كأهم النتائج، والمضي قدما في طريق إصلاح اختلالات السوق العقارية، التي أدت إلى نشوء أزمة الإسكان المحلية. وكما أن ارتفاع كعب تعاملات المضاربة أو الاكتناز وقف خلف كثير من الارتفاع السعري غير المبرر للأصول العقارية سابقا، فإنه من المؤكد أن انحسار تلك المضاربات وعمليات الاكتناز بالصورة الراهنة، سيؤدي إلى مزيد من الانخفاض في الأسعار السوقية المتضخمة لمختلف الأصول العقارية، وتحديدا عنصر الأراضي الذي كان الأصل العقاري الأكثر استقطابا للسيولة المدارة في السوق العقارية المحلية، والأداة التي طالما اعتمد عليها عموم المتعاملين في السوق العقارية بهدف الصعود المستمر بالأسعار طوال العقد الماضي. لهذا؛ فما شهدناه حتى تاريخه من انخفاضات في الأسعار المتضخمة عقاريا، يمكن القول عنه إنه ليس إلا بداية فقط لطريق تحقق عوائد إزالة تشوهات وعقبات تنموية كأداء، طالما وقفت في طريق تقدم التنمية المستدامة والشاملة، وأن القادم من تلك النتائج سيكون أكبر وأفضل بمشيئة الله تعالى، وللحديث بقية. والله ولي التوفيق.

 

نقلا عن الاقتصادية