لقناة السويس علاقة وثيقة ومباشرة بمضيق باب المندب. شريانان مهمان للتجارة العالمية، يشكلان أقصر المسارات البحرية الرابطة بين الشرق والغرب. أهمية إستراتيجية عالمية، تتطلب انسيابية وسلامة المرور بينهما، وبما يضمن حرية الملاحة وتحقيق أمن السفن التجارية، وناقلات النفط في البحر الأحمر. فما يحدث من تحديات جيوسياسية في مضيق باب المندب، والبحر الأحمر، ينعكس سلبا على قناة السويس، ويحد من عدد السفن العابرة، وبالتالي إيراداتها المالية.
تشير الدراسات الأمنية، إلى أن أي اضطراب أمني أو عسكري في مضيق باب المندب ينعكس بشكل مباشر على حركة عبور السفن وناقلات النفط في قناة السويس، ويؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد المصري، وسلاسل الإمداد العالمية. نتيجة متوقعة، لا تحتاج دراسات متخصصة من أجل إثباتها.
رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع، أكد أن للتوترات الجارية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، تأثيرا بالغا على إيرادات القناة التي انخفضت من 10.2 في عام 2023، لتصل إلى 4.1 مليارات دولار في عام 2025، ما كبد القناة خسائر متراكمة بنحو 17 مليار دولار حتى منتصف 2026. ما يقرب من ستة مليارات دولار هي الخسائر السنوية التي تتكبدها مصر بسبب التحديات الجيوسياسية، الأمر الذي يحد من تدفق النقد الأجنبي على خزينة الدولة، ويؤثر سلبا في الاستقرار النقدي، وسعر صرف الجنيه، المغذي الأكبر للتضخم. الحديث عن تدفقات النقد الأجنبي، يقودنا إلى أهم وأكبر مصادره، وهو تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وفي دول الخليج على وجه الخصوص، حيث سجلت تحويلات المغتربين نموا ملحوظا لتصل إلى نحو 33.9 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2026. مصدران مهمان للنقد الأجنبي، ولخزينة الدولة، وملاءة البنك المركزي، وقدرته على ضبط حركة الجنيه وتعزيز قيمته أمام الدولار، وبما يخفف من الضغوط التضخمية التي تمس الشعب المصري عموما، وتؤثر في التدفقات الاستثمارية التي باتت تتناقص بسبب المخاطر الداخلية، وفي مقدمها مخاطر العملة، والتضخم.
يؤثر انخفاض تدفق النقد الأجنبي بشكل مباشر على أمن مصر الاقتصادي، وبالتالي أمنها الشامل، وإذا ما ربط ذلك بأمن الطاقة، تصبح الصورة أكثر وضوحا لأهمية تدخل مصر العسكري لحماية أمنها القومي، من خلال المشاركة في تحقيق أمن الممرات البحرية في البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، وردع ميليشيا الحوثي المهددة لأمن الملاحة البحرية في المضيق.
مشاركة مصر في المجهود العسكري الرادع لميليشيا الحوثي الإرهابية، إن حدثت، فيجب أن تصنف ضمن حماية الأمن القومي المصري أولا، ثم المشاركة لتحقيق أمن المنطقة، وأمن الخليج الذي تتقاطع المصالح المصرية مع جميع دوله التي تحتضن ما يقرب من 5 ملايين مغترب، تشكل تحويلاتهم بالعملات الأجنبية ما يقرب من 50% من مجمل التدفقات الأجنبية.
لا يمكن فصل أمن مصر، عن الأمن القومي العربي، الأمن الخليجي على وجه الخصوص، حيث المصالح المشتركة المعززة للاستقرار الأمني والاقتصادي، والنقدي والاستثماري، إضافة إلى مخاطر الانكشاف على التداعيات الجيوسياسية، التي سيطول تأثيرها الجميع. التركيز على انعكاس المخاطر الجيوسياسية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر على قناة السويس، بمعزل عن المخاطر الأخرى، لا يعطي تصورا كاملا للمخاطر المتوقعة على أمن مصر، فالمخاطر الاقتصادية والنقدية والمالية، المتوقع حدوثها، في حال استمرار الأزمة اليمنية، وتصعيد ميليشيا الحوثي لهجماتها الإرهابية ضد المملكة، وتهديدها خطوط الملاحة البحرية، أعم وأشمل، وأشد تأثيرا من انخفاض إيرادات قناة السويس.
أما الخطر الأكبر الذي يحتاج إلى مراجعة دقيقة وتحوط أمني استباقي، فهو الخطر الوجودي، المرتبط بزعزعة أمن بعض دول المنطقة، وتهيئة البيئة المناسبة لتقسيمها، أو اقتطاع أجزاء منها، تنفيذا لإستراتيجية إعادة تشكيل المنطقة وفق رؤية استخباراتية غربية شيطانية أطلقت العام 2011، وهي قطعا ستطول، في حال حدوثها، دولا تعتقد أنها تجاوزتها، أو أنها في منأى عن مخاطرها المدمرة.
المملكة قادرة على الدفاع عن نفسها بكل حزم، وحماية أراضيها وشعبها ومقدراتها، معتمدة بعد الله، على قدراتها البشرية والعسكرية، عالية الكفاءة، وهزيمة المعتدين ومن خلفهم الدول الداعمة والممولة، وأعداء الملة والدين.
نقلا عن الجزيرة


