لا يمكن الفصل بين أمن الطاقة، وأمن المملكة، التي تعتبر «صمام أمن الطاقة العالمي». ففي كل أزمة عالمية مؤثرة في الإمدادات، تتوجه الأنظار لها، كونها القادرة على ضمان إمدادات النفط، واستقرار الأسواق وضبط الأسعار، وتجنيب العالم أزمات اقتصادية لا يمكن التعامل معها بسهولة.
برز دور المملكة كصمام أمان للأسواق العالمية، في أزمات جيوسياسية، ومالية واقتصادية مختلفة، ومنها حرب الخليج الأولى والثانية، مرورا بالأزمة المالية والاقتصادية العالمية، والحرب الروسية الأوكرانية، وأزمة مضيق هرمز، وغيرها من الأزمات. موثوقية عالمية، وقدرات بشرية وإنتاجية ذات كفاءة عالية، وطاقة إنتاجية فائضة تعطي المملكة مرونة أكبر في زيادة إنتاجها وقت الحاجة وفي فترة زمنية قصيرة، وسياسة نفطية متوازنة، وقيادة حكيمة تتعامل مع قطاع الطاقة بمسؤولية وحكمة.
بعد التحديات الجيوسياسية الأخيرة، برزت أزمة الإمدادات، والمشتقات النفطية، ما تسبب في ارتفاع أسعار الطاقة، وتهديد الاقتصاد العالمي بمزيد من التحديات، والأضرار العميقة، وهو ما أشار له سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في الخطاب الملكي الذي ألقاه نيابة عن خادم الحرمين الشريفين، حين قال: «اليوم يتعرض العالم إلى أزمة طاقة مفتوحة الإحتمالات، كانت المملكة فيها صمام لأمن الطاقة العالمي، بقدرتها على توفير الإمدادات النفطية للأسواق الدولية رغم التصعيد»، وهي حقيقة تُثبتها الوقائع نجحت المملكة في الوفاء بالتزاماتها مع عملائها، ولم يسجل ضدها أي تعثر أو تأخير في تسليم الشحنات المتفق عليها، بل أصبحت المملكة الدولة الوحيدة، من بين دول الخليج، التي لم تعلن حالة القوة القاهرة بعد استهداف منشآتها النفطية، وإغلاق مضيق هرمز. تمكنت المملكة من ضخ نفطها عبر خط شرق غرب، وتصديره من ميناء ينبع، وأستفادت من بدائل التصدير الأخرى، ومنها مرافق التخزين الاستراتيجي في مصر واليابان ما عزز مرونة إمدادات النفط العالمية والحد من تداعيات الأزمة الجيوسياسية.
حتى مع إستهداف خط شرق غرب، إستهداف مباشر ومؤثر، تمكنت أرامكو من إعادة تشغيله في فترة زمنية قصيرة، ما ساهم في عودة التصدير إلى سابق عهده، والحد من تداعيات الأزمة، والتأكيد على كفاءة قطاع الطاقة، ومساهمة المملكة الفاعلة في تحقيق أمن الطاقة العالمي.
المملكة أشبه بالبنك المركزي للنفط العالمي، ومن خلالها يمكن ضمان استدامة الإمدادات، و حفظ توازن الأسواق، واستقرار الأسعار، وحماية الاقتصاد العالمي من الأزمات المترتبة على تداعيات قطاع الطاقة.
الربط بين أمن الطاقة، وتحقيق أمن الدول المنتجة، والممرات البحرية الدولية، أمر غاية في الأهمية، فلا يمكن ضمان أمن الطاقة بمعزل عن الأمن الشامل الذي يفترض أن يكون مسؤولية دولية، فعلى سبيل المثال، توقف إنتاج بعض الدول الخليجية بسبب عدم قدرتها على التصدير، وامتلاء خزاناتها الإحتياطية. قطع خطوط الملاحة وتهديد الناقلات كانا سببا في حجب ما يقرب من خمس الإحتياج العالمي، ولولا القدرات السعودية، لعَظُمت التداعيات، ووصلت الأسعار مستويات تاريخية غير مسبوقة. المتمعن في الخطاب الملكي يجد ربط ضمني بين أمن الطاقة وأمن الدول الخليجية المنتجة، وربط موازي لأهمية تحقيق أمن الممرات البحرية، و أمن دول الخليج ككتلة واحدة لا تتجزأ، وهو ما يجب العمل على تكريسه.
إنشاء التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، و حلف مكة الدفاعي، من أدوات الدفاع وتعزيز الأمن وحماية المصالح المشتركة، الذي تبنته المملكة لحماية مصالحها، ومصالح شركائها الدوليين، ما يتطلب تجاوبا أكثر من دول المنطقة والمجتمع الدولي، لتحمل المسؤولية المشتركة الضامنة للتدفق الآمن للسلع الأساسية والمساعدات الإنسانية، وتعزيز أمن الطاقة.
وهو أمر ينطبق أيضا على دول الخليج التي تضررت جراء الاعتداءات التي استهدفت منشآتها النفطية، والاقتصادية، وأثر في قدرتها على التصدير، وبالتالي مواردها المالية. لم يخلو الخطاب الملكي من الإشارة إلى الأمن والاستقرار الخليجي، الذي وصفه بأنه « كل لا يتجزأ »، وأن المملكة تعمل مع إخوانها على صون الأمن الخليجي، والسعي إلى التعاون الإستراتيجي والتكامل الاقتصادي، و تنفيذ رؤية خادم الحرمين الشريفين، لتعزيز العمل المشترك بما يحقق أهداف المجلس ويلبي تطلعات مواطنيه.
صون الأمن الخليجي مسؤولية مشتركة، ما يتطلب تحقيق التكامل الأمثل وتوحيد الرؤى الأمنية والإستراتيجية، وتغليب المصلحة العامة، والعمل المشترك. دول الخليج مطالبة بالتحرك السريع لاستكمال رؤية خادم الحرمين الشريفين، لتعزيز العمل المشترك، وتطوير المجلس بما يتوافق مع متطلبات المرحلة الحالية والمستقبلية، والمتغيرات الدولية، وأهمية التكامل الاقتصادي، والردع الإستراتيجي المشترك وفق رؤية إستراتيجية وأمنية موحدة مُعززة لأمن دوله، وتزيد من قوة المجلس وفاعليته وقدرته على مواجهة التحديات ككتلة واحدة، بغض النظر عن مصدر الخطر، أو الجهة المتضررة.
نقلا عن الجزيرة

