برغم التحديات الجيوسياسية، والتصعيد العسكري في المنطقة، نجحت الرياض في احتضان مؤتمر البترول العالمي، مؤكدة الثقة الدولية التي تحظى بها المملكة، وحضورها الدولي، وقدرتها على صناعة مستقبل الطاقة، مستفيدة من خبراتها الواسعة، في إدارة القطاع، ورؤيتها المستقبلية، وإستراتيجيتها المعززة لتنويع مصادر الطاقة، واستدامة الإمدادات، وتهدئة الأسواق العالمية، حتى في أحلك الظروف. تحولت الرياض إلى منصة دولية لصناعة المستقبل، ومستقبل الطاقة على وجه الخصوص، وحاضنة للعقول والكفاءات العالمية، ووجهة للمؤتمرات الدولية، بتنوع تخصصاتها، وبما يعزز مكانتها في صناعة المؤتمرات العالمية.
حضور لافت للمؤتمر، الذي أُدير بكفاءة عالية، وشهد تغطيات إعلامية دولية واسعة، كان فيها سمو وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان، صانعاً للأخبار العاجلة، ومبشرا في الوقت عينه، بمستقبل زاهر لقطاع الطاقة السعودي، والقطاعات الاقتصادية، واللوجستية المساندة له.
أكثر من سبعين وزيراً، وثلاثمائة من رؤساء الشركات والتنفيذيين، ونحو 25 منظمة ومؤسسة دولية وأكثر من خمسة وعشرين ألف مشارك ينتمون إلى مائة دولة حول العالم حضروا المؤتمر، الذي حقق نجاحا باهرا، وأثرا معرفيا واسعا، وإنجازًا تاريخيًا بتسجيل أعلى معدلات الحضور في تاريخه، منذ انطلاقه قبل 93 عامًا، حيث استقطب أكثر من 33 ألف زائر، بمشاركة ممثلين من 135 دولة، وحضور 489 ممثلًا لوسائل الإعلام المختلفة.
أكد الأمير عبدالعزيز بن سلمان، بأن استضافة الرياض لمؤتمر البترول العالمي تعكس مكانتها باعتبارها «عاصمة أمن الطاقة». أثبتت المملكة على مر السنين، قدرتها الفائقة في تعزيز أمن الطاقة، بالرغم من التحديات الجيوسياسية، والاستهداف المباشر الذي تعرضت لها منشآتها النفطية، لما يتمتع به القطاع من مرونة، وقدرات تشغيلية فائقة لمواجهة التحديات بكفاءة عالية، مدعومة بإستراتيجية وبرامج تحوط متقدمة، تمكنه من خفض المخاطر، وسرعة معالجتها. مرونة تشغيلية، وجودة عززتها الاستثمارات الضخمة التي ضختها أرامكو في منشآتها وبنيتها التحتية، وكفاءة القوى البشرية الوطنية، والتقنيات التشغيلية العالية، ما أنعكس إيجابا على تحقيق أمن الطاقة، وموثوقية المملكة العالمية.
راهنت إيران، ووكلاؤها في المنطقة، ميليشيا الحوثي والحشد العراقي، على تعطيل صادرات المملكة النفطية، باستهداف منشآتها النفطية، وخط شرق غرب، أو تهديد ناقلات النفط، واستهدافها، غير أن محاولاتها المتعددة، باءت بالفشل. غاب عن أذهانهم القدرات السعودية والكفاءة التشغيلية التي يتمتع بها القطاع، والتي مكنت ارامكو من الوفاء بالتزاماتها التعاقدية مع عملائها، واستدامة إمدادات النفط، والعودة لمتوسط حجم الصادرات بعد أي هجوم تتعرض له المنشآت النفطية.
وزير الطاقة السعودي أكد بأن المملكة تحقق أداءً لافتاً في تصدير النفط إلى الأسواق العالمية، رغم اضطرابات الإمدادات الناجمة عن التوترات الجيوسياسية في المنطقة، وتوقع أن تفاجيء الأرقام كثيرين. وهي حقيقة ثابتة، يؤكدها ارتفاع الصادرات السعودية التي بلغت 8.165 مليون برميل يومياً من النفط الخام في النصف الأول من أكتوبر، برغم التحديات الجيوسياسية والاستهدافات الإرهابية.
استثمارات ضخمة ضختها المملكة لتحقيق أمن الطاقة، وضمان استدامة الإمدادات، وبناء منظومة احترازية قادرة على مواجهة التحديات، ومعالجتها في فترة زمنية قصيرة.
وبالرغم من وجود منظومة بدائل لنقل وتصدير النفط، تسعى المملكة حاليا، لتطوير قدراتها التشغيلية وتنفيذ مشروع ضخم لتوسعة خطوط الأنابيب، ما سيسهم في رفع القدرة التصديرية للمملكة عن طريق الخطوط إلى 10 ملايين برميل نفط يومياً خلال السنوات الثالث القادمة. ومن الجميل أن ينفذ مشروع التوسعة الثالثة للخطوط بمشاركة دول عدة، كما أشار وزير الطاقة السعودي، لما في ذلك من أهمية إستراتيجية وأمنية فائقة.
يرى الأمير عبدالعزيز بن سلمان، بأنه كلما كانت المشاركة الدولية في هذه الخطوط أكبر، تتعزز الفرص لحمايتها، وهذا واقع معاش يمكن مشاهدته على أرض الواقع. حيث تجبن الدول المارقة عن مهاجمة الأصول المملوكة للدول الكبرى، أو شركاتها أو صناديقها الاستثمارية، خشية العواقب المترتبة على استهدافها، ومن تلك العواقب، المواجهة العسكرية، والمطالبة بتعويضات مالية ضخمة، والعقوبات الدولية التي يمكن فرضها بتحشيد المجتمع الدولي. في عالم تحيط به المخاطر من كل جانب، تبرز أهمية الاستثمارات المشتركة التي يمكن أن تسهم في تدفق الاستثمارات، وخفض مخاطرها، وإيجاد بدائل تمويلية مناسبة، ونقل التقنية، إضافة إلى تحقيق أمن منشآت الطاقة، وأنابيب نقل النفط والغاز، ليس من الهجمات العدائية فحسب، بل ومن التشريعات العالمية الانتقائية التي يمكن أن تؤثر سلبا في قطاع الطاقة الأحفورية.
أمن الطاقة هو قاعدة الاقتصاد العالمي، والمحرك الرئيس لاقتصادات الدول عموما، والصناعية على وجه الخصوص، حيث مارست المملكة خلال عقود، دورها المسؤول في ضمان إمدادات الطاقة، واستقرار الأسواق، واستثمرت مبالغ طائلة لتعزيز طاقتها الإنتاجية، وبنيتها التحتية، وخلق بدائل لتصدير النفط وبما يسهم في ضمان الإمدادات العالمية، واستقرار الأسواق. تحقيق أمن الطاقة مسؤولية المجتمع الدولي، وليست المملكة فحسب، ما يتطلب قيام المجتمع الدولي بمسؤولياته تجاه حماية قطاع الطاقة والمنشآت النفطية، وردع كل من تسول له نفسه مهاجمتها، وردع إيران ووكلائها في المنطقة، وعلى وجه الخصوص ميليشا الحوثي والحشد العراقي، والتعامل بمسؤولية معززة لمستقبل القطاع، واستدامته، ومحفزة، في الوقت عينه، لضخ مزيد من الاستثمارات تسهم في تعزيز أمن الطاقة وحماية الاقتصاد العالمي من الأزمات.
نقلا عن الجزيرة


