سمك.. بتعرف تعوم؟

25/10/2026 0
أيمن مؤمن

أتذكر حينما كنت أعيش في حي الجمالية بوسط القاهرة قبل نحو 20 عامًا، وكيف ظل للمكان أثر خاص في نفسي، بما يحمله من حكايات وتفاصيل تختزن روح القاهرة القديمة. وفي إحدى المرات، ذهبت إلى أحد العطّارين في حارة "الحمزاوي" لشراء بعض الأشياء، فحكى لي عن شاب كان يعمل صبيًا في وكالة، لكنه لم يكن موفقًا في عمله، وكلما كُلّف بمهمة أخفق فيها. ومع تكرار أخطائه، أطلق عليه صاحب الوكالة لقب "الحمار"، وسرعان ما أصبح أهل المكان ينادونه بالاسم نفسه.

ضاق الشاب باللقب، فذهب إلى صاحب الوكالة يشكو إليه ما يتعرض له، وطلب منه أن يغيّر اسمه. سأله الرجل: "أسمّيك إيه بس، وإنت كل حاجة بتعملها بتبوظها؟". أصرّ الشاب على طلبه، وقال إنه لا يمانع أن يُسمّى بأي اسم آخر، حتى لو كان "سمك". فوافق صاحب الوكالة، وأصبح اسمه منذ ذلك اليوم "سمك".

وفي أحد الأيام، ناداه رجل في الطريق: "يا حمار!"، فلم يلتفت إليه. كرر الرجل النداء، ثم سأله عن سبب تجاهله، فأجابه الشاب بثقة: "أصل المعلم غيّر اسمي وسمّاني سمك". فسأله الرجل مستغربًا: "سمك؟ طب بتعرف تعوم؟". أجاب الشاب بالنفي، فجاءه الرد الذي أنهى الحكاية: "تبقى حمار برضه!".

ضحكت وقتها من الحكاية، لكنها عادت إلى ذهني كلما رأيت شركة تغيّر اسمها دون أن يتغير واقعها. وهذا ما دفعني إلى التفكير في ظاهرة تغيير أسماء الشركات، التي قد ترتبط بتغير النشاط أو الدخول في مرحلة جديدة أو إعادة بناء هوية الشركة.

المسألة تبدأ من سؤال بسيط: لماذا تُغيّر الشركة اسمها؟ هل يرتبط ذلك بتغيير نشاطها أو استراتيجيتها، أم بالسعي إلى الظهور بصورة مختلفة أمام المستثمرين؟ والأهم، هل ينعكس الاسم الجديد على واقع الشركة وأدائها، أم تظل النتائج بعيدة عن التوقعات التي قد يصنعها التغيير؟

وتزداد المسألة حساسية حين يأتي تغيير الاسم في وقت تعاني فيه الشركة خسائر متواصلة أو تراجعًا في أدائها المالي. ففي مثل هذه الحالات، قد يُستخدم التغيير أداةً لتجميل الصورة الذهنية للشركة وجذب اهتمام جديد إلى سهمها، فيتحول الاسم الجديد إلى مجرد مخدّر مؤقت للمستثمرين، من دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث تغيير مماثل في واقعها التشغيلي أو المالي.

ولا يعني ذلك أن كل شركة تغيّر اسمها تسعى إلى التمويه على خسائرها أو تحريك سهمها. لكن استمرار الخسائر لسنوات بعد التغيير يطرح سؤالًا مهمًا: هل تغيرت الشركة فعلًا، أم اقتصر الأمر على تغيير اسمها؟ فالأهم هو معالجة أسباب التعثر وتحقيق تحسن حقيقي في الأداء.

وتختلف نتائج الشركات بعد تغيير أسمائها؛ فبعضها يغيّر نشاطه أو استراتيجيته بالفعل، بينما تستمر شركات أخرى في مواجهة الخسائر رغم تغيير هويتها. لذلك، لا يكفي الإعلان عن اسم جديد للحكم على نجاح الخطوة، بل يجب النظر إلى ما تحققه الشركة بعد ذلك.

ولا يستحق تغيير الأسماء الاعتراض لمجرد التغيير؛ فقد يكون القرار منطقيًا وضروريًا. لكن المشكلة تبدأ حين تُحمّل الشركة اسمها الجديد أكثر مما يحتمل، وتراهن على أثره في صورتها أمام المستثمرين دون أن يصاحبه ما يدعم هذه الصورة على أرض الواقع.

في النهاية، لا يمكن الحكم على شركة من اسمها، قديمًا كان أو جديدًا، كما لا يمكن اختزال مستقبلها في نتائج سنة واحدة. المعيار هو ما تفعله الشركة، وما تحققه، وما إذا كانت قادرة على تحويل خططها إلى نتائج يمكن قياسها.

فقد يصبح اسمك "سمك" بعدما كان "حمارًا"، لكن الاسم وحده لا يعلّمك السباحة. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: ماذا أصبح اسم الشركة؟ بل: ماذا تغيّر فيها؟

 

خاص_الفابيتا