في السياسة النقدية، لا تبدو كلمة "لا" مجرد كلمة عابرة. وراءها أحياناً مليارات الدولارات، وأسواق تترقب، واقتصاد كامل ينتظر قراراً قد يرفع تكلفة الاقتراض أو يخفضها. وفوق كل ذلك، رئيس أمريكي لا يخفي عادة ما يريد من الفيدرالي، ولا يتردد في إعلان اعتراضه عندما لا تأتي قراراته "على هواه".
قبل فترة، كتبت هنا عن جيروم باول، وعن السنوات التي قضاها في مواجهة ضغوط دونالد ترامب وانتقاداته الحادة. وقتها كان السؤال بالنسبة لي أكبر من تقييم قرار نقدي صائب أو خاطئ؛ كان السؤال عن قدرة رئيس البنك المركزي على أن يقول "لا" عندما تصر السلطة السياسية على "نعم". اليوم، وبعد أن تولى كيفن وارش رئاسة الاحتياطي الفيدرالي، أجد نفسي أمام السؤال نفسه، ولكن من زاوية مختلفة تجبرني على البدء باعتراف صريح: لقد كنت مخطئا في توقعاتي.
طوال الأشهر الماضية، وخلال كل معارك جيروم باول المعلنة والمستترة مع البيت الأبيض، كنت أشعر بمرارة تجاه محاولات ترامب المستمرة للضغط على السياسة النقدية. وعندما وقع اختياره على كيفن وارش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، رسمت في عقلي سيناريو شبه مؤكد: ترامب أخيرا وجد الرجل الذي سيهز له رأسه موافقا، وربما يحول الفيدرالي إلى امتداد للبيت الأبيض. توقعت – وبصراحة شديدة – أن نكون أمام رئيس بنك مركزي بمثابة "عروس ماريونيت" تحركها رغبات الساسة.
لكن أول اختبار حقيقي له أمام ترامب جاء سريعا، وعلى نحو لم أتوقعه. رفع الاحتياطي الفيدرالي، برئاسة وارش، أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس لتصل إلى نطاق 3.75%–4%، في أول زيادة منذ عام 2023. والأهم أن القرار لم يمر بشق الأنفس، بل جاء بالإجماع بين أعضاء لجنة السوق المفتوحة الاثني عشر، واستند إلى رؤية واضحة لوضع الاقتصاد، تشير إلى إنفاق محلي أظهر مرونة، ونمو قوي في الإنتاجية، وزخم في الاستثمارات. أما النقطة الأهم فكانت واضحة: التضخم لا يزال مرتفعا، وإجراء رفع الفائدة يدعم عودته إلى هدف 2% .
ولم تكد تمر ساعات على القرار، حتى خرج ترامب بنفسه، بصوته العالي المعهود، مطالبا بخفض الفائدة إلى 1% أو أقل.. وبشكل "سريع". وهنا تحديدا، هبّت رياح وارش بما لا تشتهي سفن ترامب؛ فالرئيس الذي اختار رئيس الفيدرالي بنفسه، أملاً في أن يجد مساحة أكبر للتوافق معه، يجد نفسه أمام أول قرار نقدي كبير في عهد الرجل الجديد يأتي في الاتجاه المعاكس لرغبته.
تذكرني هذه اللحظة بتجربة ترامب الأولى مع جيروم باول نفسه. ويُخيل إليّ أحياناً أن الساسة لا يتعلمون الدرس الأبدي للبنوك المركزية: جدران هذا المبنى العتيق تفرض سحرها على من يدخله. فما إن يجلس أي مسؤول على مقعد رئيس الفيدرالي، حتى يجد نفسه أمام الأرقام، ومعدلات التضخم، وسوق العمل، وعقيدة المؤسسة. فهو، في النهاية، لا يعمل لحساب الرئيس، ولا من أجل إرضاء البيت الأبيض، وإنما يعمل داخل مؤسسة كلفها القانون بتحقيق أهداف تمس حياة الأمريكيين مباشرة، وفي مقدمتها استقرار الأسعار وتعظيم التوظيف. وقد يكتشف، عاجلاً أو آجلاً، أن مجاراة الرغبة السياسية لا تعني بالضرورة أن الاقتصاد سيجاريها أيضا.
لكن، هل يعني كل ذلك أن وارش أثبت استقلاله؟ هنا تحديدا يجب أن أتريث. قرار واحد لا يكفي للحكم على استقلال رئيس الفيدرالي، ومخالفة رغبة الرئيس في اجتماع واحد لا تعني أن العلاقة بين الرجلين تحولت إلى صدام مفتوح. الاختبار الحقيقي للاستقلال لا يحدث عندما تتفق رغبة السياسي مع البيانات الاقتصادية، بل عندما تختلف رغبة السياسي مع ما تفرضه الأرقام.
وتكمن القصة الحقيقية لوارش في الأسئلة التي ستطرحها الأيام المقبلة: ماذا سيفعل عندما تتكرر الضغوط وتصبح تكلفة القرار أعلى؟ هل سيظل مستعدا لرفع الفائدة إذا رأى أن التضخم يستدعي ذلك، حتى لو كان البيت الأبيض يطالب بخفضها؟ وهل سيظل مستعدا لوضع اعتبارات السياسة النقدية فوق رغبات السياسة؟
لا أملك إجابة جازمة حتى الآن، لكنني أملك شيئا واحدا مؤكدا: توقعي الأول عن وارش تعرض لأول اختبار، والنتيجة لم تكن كما توقعت. وربما هذه إحدى أجمل مزايا التحليل الاقتصادي؛ أن الأرقام والقرارات في النهاية تجبرك على مراجعة قناعاتك.
بعد باول، يبدو أن معركة استقلال الفيدرالي لم تنتهِ.. بل بدأت فصلا جديدا. وهذه المرة، قد يكون وارش هو من يكتب سطوره الأولى.
خاص_الفابيتا


