أصبح النجاح في هذا الزمن يُقاس بالأرقام أكثر من أي شيء آخر، حجم الأرباح، سرعة الإنجاز، كثرة الاجتماعات، والسفر المستمر، حتى الإنسان نفسه بدأ يشعر أحيانًا أن قيمته مرتبطة بمدى انشغاله، وكأن الإرهاق أصبح شهادة نجاح غير معلنة.
لكن ما ألاحظه أن هناك نوعًا من النجاح يستهلك صاحبه بصمت، نجاح يجعل الإنسان يحقق أهدافًا كبيرة أمام الناس، بينما يفقد داخله أشياء لا تُرى بسهولة.
أعرف أشخاصًا استطاعوا بناء شركات ناجحة، وحققوا مكاسب مالية جيدة، ووصلوا إلى مناصب مهمة، لكنهم في المقابل فقدوا هدوءهم النفسي. بعضهم لا يستطيع الجلوس ساعة واحدة دون هاتف أو عمل أو قلق، والبعض الآخر يعيش في حالة استنفار دائم، وكأن الحياة سباق لا يحق له التوقف فيه.
في السابق كان النجاح يأتي تدريجيًا، وكانت هناك مساحات طبيعية للراحة والعائلة والعلاقات الاجتماعية، أما اليوم فكل شيء يتحرك بسرعة مرهقة، الناس تقارن نفسها يوميًا بآلاف الأشخاص عبر المنصات، وتشاهد الإنجازات والثروات والسفر والنجاحات بشكل متواصل، حتى أصبح التأخر البسيط يشعر البعض وكأنه فشل كامل.
وأعتقد أن أخطر ما في الأمر أن كثيرًا من الناس أصبحوا يربطون قيمتهم الشخصية بإنتاجيتهم فقط، فإذا توقف عن العمل شعر بالذنب، وإذا أخذ إجازة شعر بأنه متأخر عن الآخرين، حتى الراحة نفسها تحولت عند البعض إلى شيء يحتاج إلى تبرير.
المفارقة أن كثيرًا ممن يصلون إلى مراحل متقدمة من النجاح يكتشفون لاحقًا أن بعض الأشياء التي أهملوها لا يمكن تعويضها بسهولة، الصحة، والوقت، والعلاقات الحقيقية، والهدوء النفسي ليست تفاصيل هامشية كما يظن البعض، بل هي الأشياء التي تمنح النجاح معناه الحقيقي.
وأرى أن النجاح يشبه إلى حد كبير لاعب كرة القدم المحترف. اللاعب الذي يركض بكل طاقته منذ أول دقائق المباراة غالبًا لن يستطيع إكمال التسعين دقيقة بنفس الكفاءة، بينما اللاعب الذكي هو الذي يعرف كيف يوزع جهده، ومتى يسرّع، ومتى يهدأ، ومتى يحتفظ بطاقته للحظة الحاسمة، الحياة كذلك ليست سباق سرعة قصير، بل مباراة طويلة تحتاج إلى نفس مستمر وتوازن ذكي.
لا أرى أن الطموح خطأ، بل على العكس، المجتمعات لا تتقدم إلا بالطموحين، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الإنسان إلى مشروع عمل مستمر بلا توقف، وكأنه آلة مطالبة بالإنتاج طوال الوقت.
النجاح الحقيقي -برأيي- ليس أن تصل وأنت منهك بالكامل، بل أن تستطيع الاستمرار دون أن تخسر نفسك في الطريق.
نقلا عن الرياض


