حين صنعت قيودنا مركزًا تجاريًا خارج حدودنا

22/07/2026 0
حسين بن حمد الرقيب

لسنوات طويلة كانت السعودية أكبر سوق استهلاكية في المنطقة، لكنها لم تكن المركز الذي تُدار منه تجارتها. كانت سلعا كثيرة موجهة إلى المستهلك السعودي تصل أولًا إلى جبل علي، فتُخزن وتُجمع وتُغلف، وربما خضعت لعمليات تصنيع بسيطة، ثم يعاد تصديرها إلى المملكة.

لم يكن ذلك بسبب نقص الموانئ أو ضعف الموقع الجغرافي، بل نتيجة مرحلة غابت فيها الرؤية الاقتصادية المتكاملة، وتعددت خلالها الإجراءات والتراخيص، وقُيدت الحرية التجارية، وتأخر تطوير المناطق الحرة والمراكز اللوجستية بالمفهوم الحديث.

امتلكت السعودية جميع المقومات التي تؤهلها لقيادة التجارة الإقليمية، فهي تقع بين ثلاث قارات، وتطل على البحر الأحمر والخليج العربي، وتجاور أهم طرق التجارة العالمية، إلى جانب سوق كبيرة وقوة شرائية مرتفعة. لكن الموقع وحده لا يصنع مركزًا تجاريًا، فالتجارة تتجه إلى البيئة الأسرع والأكثر مرونة والأقل تكلفة.

عندما لم تتوافر هذه البيئة محليًا، أقامت الشركات العالمية مستودعاتها ومراكز توزيعها ومكاتبها الإقليمية خارج المملكة، واتخذت من جبل علي منصة للوصول إلى السوق السعودية. وهكذا كان المستهلك سعوديًا، بينما تحققت الوظائف والاستثمارات والقيمة المضافة في الخارج.

لم تقتصر الخسارة على رسوم الموانئ والجمارك، بل امتدت إلى النقل والتخزين والتأمين والتمويل والتغليف والتسويق والتجميع والتصنيع الخفيف. كنا نستورد السلعة، بينما يستفيد الآخرون من معظم الأنشطة الاقتصادية المحيطة بها.

هذا الواقع كان نتيجة التعامل مع التجارة باعتبارها نشاطًا ينبغي تقييده، لا صناعة تحتاج إلى الحرية والكفاءة والتنافسية. فالتجارة ليست مجرد بضائع تعبر المنافذ، بل منظومة تبني حولها المدن اللوجستية والمصانع وشركات النقل والتمويل والتقنية.

لكن المشهد تغير مع إطلاق رؤية السعودية 2030، التي بدأت معالجة هذا الخلل واستعادة ما فقدته المملكة من تجارة واستثمارات ووظائف. ولم يعد الهدف تطوير ميناء منفرد، بل بناء منظومة صناعية وتجارية ولوجستية عالمية.

أعادت الرؤية تعريف موقع المملكة لتصبح منصة للتصنيع والتخزين والتوزيع وإعادة التصدير، ومركزًا يربط آسيا بأوروبا وإفريقيا. ومن هنا جاءت الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، وتطوير الموانئ والمطارات والسكك الحديدية، وإنشاء المناطق الاقتصادية والمراكز اللوجستية، وتحسين الإجراءات الجمركية.

كما يستهدف جذب المقرات الإقليمية وتوطين الصناعة إبقاء القيمة داخل الاقتصاد الوطني، بحيث لا تكتفي الشركات ببيع منتجاتها في السوق السعودية، بل تستثمر وتوظف وتنقل المعرفة من داخلها.

قصة جبل علي بالنسبة للسعودية درس اقتصادي يكشف تكلفة غياب الرؤية وتقييد التجارة. أما اليوم، فإن رؤية 2030 تقود تحولًا يستثمر الموقع الذي يربط القارات الثلاث، ويبني منظومة مرشحة لجعل المملكة من أهم المراكز التجارية واللوجستية في العالم.

 

نقلا عن الرياض