في القضايا الاقتصادية الكبرى، لا يكفي أن يكون الصوت عاليًا ليكون الرأي صحيحًا، ولا يكفي الانتشار ليمنح الطرح مصداقية، القيمة الحقيقية لأي رأي تكمن في عمقه، وفي مدى استناده إلى قراءة دقيقة وشاملة للواقع، وسوق العمل من أكثر الملفات التي تتعرض للاختزال وسوء الفهم، لأن مخرجاته تُقاس بأرقام متشابكة، وتطوراته تمر بمراحل متداخلة، لا يمكن تفسيرها من زاوية واحدة أو من خلال لحظة زمنية محدودة.
ما يحدث اليوم في سوق العمل ليس تضخمًا عشوائيًا كما يحاول البعض تصويره، بل هو جزء من عملية إعادة تشكيل مدروسة يقودها تحول اقتصادي واسع النطاق، المملكة تعيش مرحلة بناء غير مسبوقة، تتسارع فيها المشاريع الكبرى في قطاعات متعددة، من البنية التحتية إلى السياحة والصناعة والخدمات، هذا النوع من المشاريع يتطلب في مراحله الأولى كثافة تشغيلية عالية، وغالبًا ما يعتمد على عمالة تشغيلية وفنية بأعداد كبيرة، وهو ما يفسر ارتفاع أعداد العمالة الوافدة في هذه المرحلة تحديدًا.
هذه الزيادة ليست ظاهرة دائمة، بل مرتبطة بطبيعة المرحلة، فالمشاريع التأسيسية والإنشائية بطبيعتها مؤقتة من حيث كثافة العمالة، ومع انتقال المشاريع من مرحلة البناء إلى مرحلة التشغيل، يتغير هيكل الطلب على الوظائف، وتبرز الحاجة إلى الكفاءات المتخصصة والإدارية والتقنية، وهي المجالات التي يُعوّل فيها على الكوادر الوطنية بشكل أساسي، هنا يظهر بوضوح أن ما نشهده ليس خللًا في التوازن، بل انتقالًا مرحليًا بين نموذجين اقتصاديين.
وفي الاتجاه الآخر، تسير عملية التوطين بوتيرة واضحة، لكن ليس بالمنظور التقليدي الذي يركز على الأعداد فقط، بل بمنهج يوازن بين الكم والنوع، لم يعد الهدف مجرد شغل الوظائف، بل تحسين جودة الوظيفة، ورفع إنتاجية العامل، وزيادة دخله، وتعزيز استقراره المهني، هذا التحول يتطلب وقتًا، لأنه يرتبط بتطوير منظومة التعليم والتدريب، ومواءمة مخرجاتها مع احتياجات السوق، إضافة إلى تغيير ثقافة العمل لدى الأفراد والمنشآت.

وعند النظر إلى الأرقام بشكل شامل، تتضح ملامح هذا التحول بجلاء، انخفاض معدل البطالة إلى 7.2% لا يمكن اعتباره رقمًا عابرًا، بل هو انعكاس لقدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل بوتيرة متسارعة، وارتفاع مشاركة المرأة إلى 35% يمثل تحولًا تاريخيًا في هيكل سوق العمل، يعكس نجاح السياسات التي استهدفت تمكينها وفتح مجالات جديدة أمامها، كذلك، وصول 70% من السعوديين إلى وظائف فوق المستوى المتوسط يدل على تحسن نوعية الوظائف، وليس فقط زيادة عددها.
في المقابل، يتركز نحو 85% من العمالة الوافدة في المهن التشغيلية، وهي وظائف تتطلب في الغالب جهدًا بدنيًا أو نمط عمل لا يتناسب مع تطلعات شريحة كبيرة من الباحثين عن عمل من المواطنين، أو لا يزال في طور إعادة التوازن من حيث الأجور والبيئة، هذا التوزيع يعكس واقعًا اقتصاديًا قائمًا على تكامل الأدوار، حيث تسهم العمالة التشغيلية في تنفيذ المشاريع ودعم الأنشطة اليومية، بينما يتجه المواطنون بشكل متزايد نحو الوظائف الأعلى مهارة وقيمة.

الإشكالية الحقيقية لا تكمن في الأرقام ذاتها، بل في طريقة قراءتها وتقديمها، الانتقائية في عرض البيانات، أو اقتطاع جزء من المشهد دون ربطه بسياقه، يؤدي إلى استنتاجات مضللة، فحين يتم التركيز على زيادة العمالة الوافدة دون الإشارة إلى طبيعة المشاريع، أو يتم الحديث عن التوظيف دون التمييز بين جودة الوظائف ومستوياتها، يتحول النقاش من تحليل موضوعي إلى انطباع عام يفتقد للدقة.
كما أن بيئة التواصل الحديثة، التي تحكمها الخوارزميات، تساهم أحيانًا في تضخيم الطرح السطحي على حساب التحليل المتوازن، فالمحتوى المثير ينتشر بسرعة، حتى وإن كان مبنيًا على معلومات غير مكتملة، بينما يحتاج الطرح العميق إلى وقت وجهد لفهمه، وهنا تظهر خطورة تشكيل القناعات العامة بناءً على محتوى مجتزأ أو قراءة غير مكتملة، خصوصًا في قضايا حساسة تمس الاقتصاد وسوق العمل.
لذلك، فإن الرأي في مثل هذه الملفات لا يُقاس بمدى انتشاره، بل بمدى دقته. يُؤخذ ممن يقرأ المشهد كاملًا، ويفهم تحولاته، ويربط بين مراحله، ويستوعب أن الاقتصاد لا يتحرك بشكل خطي، بل يمر بدورات وتغيرات مرحلية، كما يُؤخذ ممن يفرق بين المؤشر الظرفي والاتجاه الهيكلي، وبين الظاهرة المؤقتة والتحول طويل المدى.
التوطين ليس شعارًا يُرفع في النقاشات، ولا رأيًا يُجادل به في المنصات، بل هو مسار اقتصادي متكامل يُقاس بنتائج رقمية واضحة، وبأثر ملموس على مستوى الدخل وجودة الحياة والاستقرار الوظيفي، وكل قراءة لا تنطلق من هذه الأرقام، ولا تضعها في سياقها الصحيح، ستظل قراءة ناقصة، مهما بدت مقنعة في ظاهرها.
نقلا عن الرياض

