أبو مالك كما عرفته.. ذكريات شخصيّة مع د.رشيد العوين رحمه الله

15/04/2026 2
د. وائل الرّاشد

بدأت علاقتي بالفقيد قبل قرابة عشر سنوات من وفاته رحمه الله – أي بعد شهرته وعلّو مكانته –حصلت على رقم هاتفه من صديق مشترك وكتبت له رسالة أعرّفه فيها بنفسي وألتمس تواصلا معه بغرض الاستشارة.

تهيّأت جيّدا للقّاء بتحضير بعض العناصر و النّقاط إذ رأيت من باب التأدّب أن يكون اللّقاء قصيرا بقدر مالديّ من حاجة حفاظا على وقته الثّمين رحمه الله لكنّ ترتيبي باء بالفشل حيث فاجأني وأسعدني برحابة صدره و فتح الباب على مصراعيه لجوانب متعدّدة للحوار و المناقشة تتعدّى النّطاق الضّيق الّذي طلبت اللٌّقاء من أجله  أدركت من خلال أريحته أنّه – بتواضعه الجمّ - يتعامل معي كصديق وزميل تجمعنا مجالات اهتمام مشترك في حين أنّ علاقتي معه في حقيقتها بين طالب وأستاذ.

انتهى الوقت الأصليّ و الوقت الإضافي و استمرّ الحديث الماتع حتّى أقفل "المقهى" أبوابه!! و اضطررنا للخروج فعرض عليّ أن نكمل الحديث في جولة مشي حول المكان اعتذرت – لا مللا بل حياء من لطفه و جوده في الوقت – وانتهى اللّقاء الأوّل.

استمرّ التّواصل بيننا بين المقابلة والرّسائل من وقت لآخر  للتّشارك والمشورة  في بعض الأمور – ذات الاهتمام المشترك - واستمرّ على نفس النّهج و المنوال الّذي أظهره في لقائنا الأوّل ورغبة في الاختصار سأكتفي باستذكار موقفين فقط.

الموقف  الأوّل: أنّي كنت بصدد إعداد بيان عام سينشر وكنت متحيّرا في صياغة شكله ومضمونه وطريقة تقديمه فأرسلت المسودّة له للاطلاع و إبداء رأي. كنت أظنّ أنّه سيكتفي بتعليق مختصر – وقد كان ذلك كافيا من وجهة نظري – لكّنّي فوجئت باتّصال كريم منه راجع معي الخطوات الشكلّية والإجرائيّة ثمّ المضمون بتفاصيلها وقدّم رأيا في كلّ تلك الجوانب معزّزا كلّ تعليق بشواهد عمليّة منبهّا إلى كلّ أثر مستقبليّ محتمل من استعمال كلّ مفردة وبالفعل أعدت صياغة البيان من جديد وفقا لتلك الإفادة الاستثنائيّة فأكرمني رحمه الله بمراجعة ثانية ومعها  تصويبات مكمّلة.

الموقف الثّاني: تمّ الإعلان عن ملتقى مهني عالمي في الرياض للأمور الماليّة والاستثماريّة و لم يتيسّر لي الحصول على تسجيل دخول من طرف الجهات التي تربطني بها علاقة عمليّة ورسوم التّسجيل مرتفعة نوعا ما وكانت "أرقام" إحدى الجهات الرّاعيّة للملتقى تردّدت في التّواصل معه لإمكانيّة الحصول على خصم خاصّ للتّسجيل ففاجئني رحمه الله بترتيب دخول مجّاني لذلك الملتقى الذي استفدت منه كثيرا.

 في هذه اللّحظات التي يغمرني فيها الحزن لفقده والفرح والفخر بمعرفته والنّهل من علمه وفضله ألخّص أبرز جوانب الفضل في هذه الشخصيّة من خلال تواصلي معه:

أوّلا : 

إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة... فلا خير في ودّ يجيء تكلّفا

كأنّ الإمام الشّافعي – الّذي ينسب له البيت – كتبه في وصف خلق أبي مالك فلقد وجدته خالي النّفس من أيّ تكلّف فودّه  أحسبه صافيا فبرغم مالديه من تميّز علمي وذهني وإداري ومكانة مرموقة في مجالات كثيرة  تجده شخصا متواضعا  بلا تكلّف.

ثانيا : 

بالرّغم من أنّ طبيعة مادة النّقاش مع أبي مالك تتناول – في معظمها -  أداء الشّركات والمجالس ولاتخلوا من الحاجة لنقد تصرّفات أشخاص بعينهم لم أجده و لو مرّة واحدة يتعرّض لأحد بكلمة فيها سوء أو انتقاص كان يركّّز على المغزى والموضوع ونقد التصرّفات بمهنيّة.

ثالثا:

حين أتذكّر ترحابه وتجاوبه السّريع من طلب لقاء أو استشارة و إسهابه في الشّرح والحديث دون وجود دوافع شخصيّة واضحة تدفعه لذلك أجدّ أنّه – ولا أزكيّه على الله – قد أكسبه الله صفة الجود والحرص على البذل والنّصح دون مقابل  فكأنه رحمه الله كما قال الشّاعر

هو البحر من أيّ النّواحي أتيته... فلجّته المعروف و الجود ساحله

رابعا:

حين أستذكر ما تناولته معه من استفسارات أجد أنّه قد كان له كلّ مناقشة تقريبا نظرة فريدة ونقد خاص ورؤية جريئة مستقلّة وأعزوا ذلك إلى أمور وهبه الله إيّاها؛  أوّلها علمه الواسع وثانيها ذكاؤه الحادّ وثالثها دقّته في الفصل بين الحقيقة و بين الرّأي و التّحليل. أستذكر مثالين فقط لتجنّب الإطالة؛ الأوّل أنّنا  تناولنا في عرض الحديث ذكر شركة مدرجة كانت حديث السّوق وقتها في تميّز القطاع الّذي تعمل فيها وتوزيعاتها المجزية المستمرّة ومستقبلها الواعد ففاجئني بسؤال بما مفاده : ألا تظنّ أنّ هذه التّوزيعات بمثابة ظرف مؤقّت أشبه بعمليّة  تخفيف الدّهون والّسمنة من الجسم ثمّ تتوقّف ويبان عوار الشّركة!! ثمّ أردف يقول اطّلعت على تحليل للشركة فلم أجد فيها ما يعزّز النّظرة السّائدة عن مستقبلها. وخلال مدّة ليست بالطّويلة تتابعت الأخبار السّيئة من الشّركة  وتسارع نزول سعر سهمها وتراجع أدائها. المثال الثّاني : أنّه في عرض حديثه أحيانا يصدّر جوابه بقول ما مفاده "سأذكر لك ملاحظة أو شبه قاعدة لكن  لاتعتبرها مسلّمة " ثمّ ذكرها و كلّما تأمّلت  شبه القاعدة التي ذكرها أجدها صحيحة وتنطبق على معظم الأمثلة التي مرّت عليّ ولازلت أتعجّب من تفتّق ذهنه رحمه الله في استحضار قدر وافر من الاستنتاجات و القواعد الذّهبيّة في تقييم الفرص والحكم على الأداء واستشراف المستقبل.

وأخيرا وليس آخرا أعزّي أخي مالك ووالدته وأهله جميعا و محبّي د. رشيد كافّة و أبشرّهم أنّ أمثال الفقيد تموت أجسادهم ويبقون معنا بآثارهم وأعمالهم و ذكراهم الطيّبة كما وصف ذلك شاعرنا

ياربّ حيّى رخام القبر مسكنه...  وربّ ميت على أقدامه انتصبا