يشهد قطاع الصحافة والإعلام العالمي تحولاً جوهرياً يتجاوز كونه مجرد تطور تكنولوجي ليصبح إعادة هندسة شاملة لأسس الصناعة نفسها فلم يعد الإعلام مجرد منصة لنقل الأخبار بل تحول إلى نموذج علامة تجارية إعلامية Media Brand مستقلة. هذا النموذج يقوم على ثلاثية المصداقية المهنية كرأسمال والهوية المؤسسية كتميز والقيمة الاقتصادية كشرط للبقاء، وذلك في ظل بيئة رقمية متغيرة تقودها حالياً المنظومة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي.
في هذا الفضاء الرقمي الذي تحكمه خوارزميات التطبيقات وتحليلات البيانات الضخمة لم تعد المنافسة على المحتوى فقط بل على الحصة السوقية والولاء الجماهيري. وفي عالم يتجه فيه الاقتصاد الإعلامي إلى تجاوز 24 تريليون دولار وفق تقديرات PwC لم يعد المحتوى مجرد مادة معلوماتية بل أصبح منتجاً استراتيجياً يصنع أصولاً غير ملموسة مثل الثقة والسمعة والولاء. ومن التجارب العالمية الرائدة:
•صحيفة نيويورك تايمز التي تبنت نموذج الاشتراكات الرقمية وحققت أكثر من 10 ملايين مشترك بعائدات تفوق 16 مليار دولار.
•صحيفة الغارديان التي استخدمت نموذج الدعم الطوعي لتعزيز الثقة والاستقلال المالي.
•صحيفة واشنطن بوست التي استثمرت الذكاء الاصطناعي والتحليل العميق لتجديد التجربة الرقمية بعد استحواذ جيف بيزوس.
•هيئة الإذاعة البريطانية BBC التي تحولت من إذاعة وطنية إلى منصة رقمية عالمية متعددة اللغات.
وتشير تحليلات Deloitte إلى أن الأصول غير الملموسة تمثل اليوم أكثر من %55 من القيمة السوقية لشركات الإعلام مقابل أقل من %20 قبل عقدين وهو ما يعكس صعود قيمة العلامة كمحرك اقتصادي رئيس تبنى عليه نماذج إيرادات متنوعة تشمل الاشتراكات الرقمية والبيانات والخدمات المدفوعة.
وتتعمق هذه التحولات في السياق السعودي مدفوعة برؤية المملكة 2030 التي وضعت صناعة الإعلام والاقتصاد الإبداعي ضمن القطاعات المرشحة لنمو يتجاوز% 5 سنويا وفق تقديرات وزارة الثقافة كما تستثمر المملكة في البنية التكنولوجية والمنصات الرقمية وتمكين المواهب المحلية مما يهيئ لولادة علامات تجارية إعلامية سعودية تمتلك حضوراً إقليمياً وقيمة اقتصادية قابلة للقياس، مع إسهام التقنيات الحديثة في رفع الإنتاجية إلى %40 حسب تقارير BCG لتتعزز التنافسية بين المؤسسات الإعلامية عبر تحسين إدارة المحتوى وتحليل الجمهور وتقليل التكاليف التشغيلية وبناء نماذج ربحية أكثر استدامة.
وفي الإطار نفسه تتوقع برايس ووتر هاوس كوبرز (PwC)أن تبلغ إيرادات الإعلام الرقمي نحو 26 تريليون دولار بحلول 2027 وهي فرصة تستثمرها المملكة الآن عبر مشاريع عملاقة مثل مدينة الإنتاج الإعلامي في الرياض وقرية نيوم الإعلامية لجذب استثمارات تزيد على 10 مليارات ريال ووضع السعودية على خريطة صناعة المحتوى العالمية فهذه البيئة الجديدة ستفرض نموذجاً يقوم على اقتصاد الاهتمام حيث تصبح دقائق المشاهدين ومشاركتهم هي العملة الحقيقية. وكما تعمل الاستراتيجية الوطنية للإعلام في رفع مساهمة القطاع في الاقتصاد وخلق أكثر من 150 ألف فرصة عمل جديدة (بحسب معالي وزير الإعلام أ. سلمان الدوسري) تكون في انسجام تام مع أهداف الرؤية وهذا يعزز من مكانة المملكة في سوق إعلامي إقليمي متوقع أن تتجاوز قيمته 20 مليار دولار عالميا.
وبذلك تنتقل الصحافة والمؤسسات الإعلامية محلياً وعالمياً من كونها خدمة إخبارية إلى منظومة اقتصادية متكاملة تصنع قيمة وتبني أثرا وتحقق عوائد مالية قائمة على الهوية والابتكار والقدرة على تحويل المحتوى إلى أصل استراتيجي قابل للنمو. وبتسارع نمو اقتصاد صناع المحتوى ليصل إلى حوالي 480 مليار دولار بحلول 2027 وفق جولدمان ساكس، مما يعزز أهمية العلاقة مع الجمهور بوصفه مجتمعاً استثمارياً لا مجرد متلق للمحتوى فقط.
وتمثل المرحلة الحالية فرصة تاريخية للمملكة لتوجيه هذا التحول العالمي نحو تعزيز مكانتها كقوة إعلامية واقتصادية رائدة، فالتحول نحو نموذج العلامة التجارية الإعلامية المؤسسية ليس خياراً تكتيكياً بل هو نقلة نوعية في الاقتصاد المعرفي يحتم علينا إعادة تعريف دور الإعلام من كونه ناقلا للخبر إلى كونه مصنعاً للمحتوى الرقمي ومشكلاً للرأي العام ومحفزاً للنشاط الاقتصادي.
وفي ظل الدعم السخي من القيادة الحكيمة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين سمو الأمير محمد بن سلمان (حفظهما الله) والتي رسخت دور الإعلام كشريك استراتيجي من خلال "الاستراتيجية الوطنية للإعلام" وفي دوره في التحول الوطني والتأثير العالمي تبرز مجموعة من التوصيات المقترحة التي تشمل خارطة طريق عملية في بناء نموذج سعودي عالمي التأثير:
أولا: توصيات استراتيجية مؤسسية واقتصادية
1.تطوير هوية مؤسسية شاملة تكون استثمارا في رأس المال غير الملموس الذي يرفع القيمة السوقية للمؤسسة ويجذب الشراكات الدولية.
2.إنشاء مختبرات الابتكار الإعلامي Media Innovation Labs بالشراكة مع قطاع التقنية والجامعات لاستكشاف نماذج إيرادات جديدة واختبار تقنيات مبتكرة تخفض التكاليف التشغيلية.
3.بناء وحدات تطوير الأعمال لتنويع مصادر الدخل وإطلاق خدمات استشارية وإنتاج محتوى مخصص واستغلال الأرشيف كمنتج رقمي قابل للبيع.
4.الاستثمار في البنية التحتية الرقمية باعتبارها بنية وطنية استراتيجية تدعم تخزين بيانات المحتوى وتحليلها واستثمارها.
ثانيا: توصيات لتمكين رأس المال البشري الوطني
5.تعزيز الشراكات مع القطاعين العام والخاص لتمويل المشاريع الإعلامية الكبرى ودعم ريادة الأعمال وخلق منظومة إبداعية متكاملة.
6.تدريب الكوادر الوطنية على مهارات الاقتصاد الرقمي للإعلام مثل تحليل البيانات وإدارة منصات الاشتراك والتسويق الرقمي.
7.ربط أداء المؤسسات الإعلامية بمستهدفات رؤية السعودية 2030 عبر مؤشرات أداء تقيس مساهمتها في تنمية القطاع الإبداعي وتعزيز الصادرات الثقافية وجذب الاستثمار الأجنبي.
ثالثا: توصيات للمحتوى والتقنية
8.دعم إنتاج وتسويق المحتوى الوطني عالي الجودة الذي يعكس الهوية السعودية ويستهدف الأسواق العالمية كصناعة تصديرية ذات عائد اقتصادي.
9.دمج التكنولوجيا الحديثة في غرف الأخبار لتخصيص المحتوى وأتمتة الإنتاج والتنبؤ بسلوك الجمهور وزيادة الكفاءة.
10.تشجيع التعاون بين الإعلام والقطاع التقني لتوطين التقنيات الإعلامية المتقدمة مثل الميتافيرس Metaverse)) والواقع المعزز وتحويل المملكة إلى سوق رائدة لتطبيق وابتكار الحلول الإعلامية.
بهذه الرؤية الاقتصادية الاستباقية سيكون القطاع الإعلامي السعودي شريكاً محورياً في تحقيق الرؤية محولاً التحديات الرقمية إلى صناعة وطنية مزدهرة تسهم في تنويع الاقتصاد وبناء الوعي وترسيخ صورة المملكة كدولة رائدة في صناعة المستقبل.
وختاماً، يمثل التحول نحو العلامة التجارية الإعلامية المؤسسية خطوة نوعية في تطور الفكر الاقتصادي المعرفي للإعلام الحديث. إن الصحافة والمؤسسات الإعلامية ليست مجرد ناقل معلومة بل أصبحت تصنع قيمة وطنية قابلة للقياس وقادرة على المنافسة إقليميا وعالميا ومع التطور الهائل في التكنولوجيا يمتلك الإعلام السعودي فرصة تاريخية للتحول إلى صناعة استراتيجية تسهم في الناتج المحلي وتنشر الهوية السعودية عالمياً وتدعم الاقتصاد المعرفي الذي تراهن عليه رؤية المملكة 2030. كما لم يعد السؤال كيف ننقل الخبر بل كيف نبني امبراطورية إعلامية وصناعة قادرة على المنافسة العالمية وهو سؤال تجيب عليه الرؤية من خلال تحويل التحدي الرقمي إلى فرصة اقتصادية واستراتيجية.
التحول الاستراتيجي لصناعة الصحافة والإعلام نحو العلامة التجارية

المقالة منشورة في العدد الأخير من "نشرة الاقتصاد" الصادرة عن جمعية الاقتصاد السعودية.


