في السنوات الأخيرة، نسمع كثيرًا عن الذكاء الاصطناعي، التحول الرقمي، الأتمتة، وتقنيات تغيّر شكل الحياة والعمل. ورغم هذا الحراك الضخم، يظل السؤال المحيّر مطروحًا، لماذا لا تتحرك الإنتاجية بنفس السرعة؟ وربما قبل أن نبحث عن الجواب، يجدر بنا أن نتوقف قليلًا عند حقيقة أن هناك أوقات في مسار التحول الاقتصادي لا يكون الأهم فيها هو تغير حجم الإنتاج، بقدر أهمية مصدر هذا الإنتاج كقيمة مضافة. وفي اللحظة الراهنة، يتجاوز السؤال الاقتصادي المحوري في السعودية والعالم مجرد: كم ننتج؟ ليتحول إلى سؤال أكثر واقعية: كيف ننتج؟
وفي ظل الحديث عن التحول نحو اقتصاد رقمي، مدفوع بالذكاء الاصطناعي ونماذج اللغة المتقدمة، يستلزم موائمة هذه المرحلة بإيجاد بدائل للوظيفة لأن تكون وحدة التحليل المناسبة. فالقيمة لم تعد تُخلق من الوظائف كما هو سابقاً، بل من المهام الدقيقة المكونة لها، والتي تختلف بشكل واسع في أثرها الاقتصادي، ودرجة مهارتها، وقابليتها للأتمتة. من هنا تبرز الحاجة لمنهجية جديدة قادرة على قياس القيمة الحدّية للمهمة، وهنا يأتي الحديث عن معيار. GDPval
التأطير النظري من قياس العمل إلى قياس القيمة الحدّية للمهمة
صحيح أن مصطلح GDPval لم يكن متداولًا في الأدبيات الاقتصادية قبل عام 2025م، إلا أن ظهوره جاء امتدادًا منطقيًا لتراكم بحثي واسع في إطار اقتصاد المهام (Task-Based Economics)، وهو النهج الذي أسسه Acemoglu & Autor (2011) وعدد من الدراسات التي حللت أثر التكنولوجيا على توزيع المهام والأجور والمهارات في سوق العمل. وقد ورد مصطلح GDPval لأول مرة في دراسة بحثية لفريق OpenAI عام 2025م، بوصفه مقياسًا تجريبيًا لتقدير القيمة الحدّية للمهمة داخل الناتج المحلي. وانطلاقًا من ضرورة توطين المفهوم في السياق العربي، يقترح هذا المقال استخدام الترجمة: مقياس القيمة الحدّية للمهام في الناتج المحلي الإجمالي (Marginal Task Value in GDP)، لما تعكسه من ارتباط مباشر بمفهوم القيمة الحدّية في الاقتصاد، وهو ما تؤكده القواميس العلمية مثل معجم أكسفورد عند تعريف مصطلح . Marginal Value
وبناءً على هذا الإرث المعرفي، يمكن النظر إلى GDPvalبوصفه تطبيقًا محدثًا ومركّزًا لإطار اقتصاد المهام، إذ يقوم على افتراض أساسي مفاده أن العمل ليس وحدة متجانسة، بل يتكوّن من مجموعة مهام تختلف في إنتاجيتها وأثرها الاقتصادي. ومن هذا المنطلق، يُعرَّف GDPvalبأنه مقياس للقيمة الحدّية للمهام في الناتج المحلي الإجمالي (Marginal Task Value in GDP)، أي تقدير القيمة الاقتصادية التي تساهم بها كل مهمة مهنية محددة في الناتج، بمعزل عن المسمى الوظيفي أو الهيكل التنظيمي الذي تندرج تحته.
وبذلك ينتقل التحليل من النظر إلى العمل بوصفه مجرد مدخل إنتاجي إلى اعتباره مصدرًا للقيمة الاقتصادية التي تنشأ من أداء مهام تختلف جوهريًا في أثرها الحدّي على الناتج. فالمهام المعرفية المعقدة مثل التحليل الاستراتيجي، وإدارة المعرفة، والنمذجة الاقتصادية، وتطوير حلول الذكاء الاصطناعي تنتج في العادة قيمة حدّية أعلى مقارنة بالمهام الروتينية القابلة للأتمتة أو التفويض. هذه الفوارق البنيوية في إنتاجية المهام، التي لا تلتقطها المؤشرات التقليدية للعمالة أو الأجور، يجعلها مقياس GDPvalمحورًا متقدمًا في التحليل الاقتصادي الحديث، ولا سيما في الاقتصادات التي تتحول نحو الإنتاج المعرفي.

مفارقة “لغز الإنتاجية”
أشار تقرير J.P. Morgan – Outlook 2026 إلى استمرار إشكالية “لغز الإنتاجية”، إذ بلغ متوسط نمو الإنتاجية العالمي أقل من 1% خلال السنوات الأخيرة، على الرغم من أن أكثر من 70% من الشركات الكبرى استثمرت بكثافة في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية. ويبين التقرير أن ما يقرب من 80% من القيمة المتوقعة للذكاء الاصطناعي لم يتحقق بعد بسبب فجوة التحويل بين امتلاك التقنية وتمكين المهام التي تولّد القيمة. هذا اللغز، الذي ناقشه Brynjolfsson وآخرون، يجد تفسيرًا أعمق عند تحليل بنية المهام داخل المؤسسات..
قد لا تظهر القيمة الاقتصادية للتقنية في حد ذاتها بدون استخدام، وتتجلى عند اتساقها وارتباطها مع المهام التي أعيد هندستها بناء على التقنية المتاحة، لذا نجد مقياس القيمة الحدية للمهام يساهم في إيجاد تفسير لهذه المفارقة، حيث إن الإنتاجية لا ترتفع لأن المؤسسات ما تزال تستخدم الذكاء الاصطناعي في مهام منخفضة القيمة، وتبقي المهام عالية القيمة محصورة في هياكل وظيفية لا تعكس قيمتها الحدّية. بمعنى آخر، فجوة الإنتاجية ليست فجوة تقنية، بل فجوة “مهام”.
وتدعم نتائج AGILE Index 2025 هذا التفسير؛ إذ يوضح التقرير أن الفروق بين الدول المتقدمة لا ترتبط بامتلاك التكنولوجيا أو حجم الاستثمارات الرقمية، بل بقدرتها المؤسسية على تنظيم استخدامها ودمجها داخل المهام ذات القيمة الحدّية المرتفعة. وفي هذا السياق، يقدّم التقرير فئة قادة الدمج الشامل للتقنية (Inclusive Leaders) للإشارة إلى الدول التي تنجح في تحويل الإمكانات التكنولوجية إلى قيمة اقتصادية فعلية من خلال إعادة توزيع المهام وتوجيه التقنيات نحو الأنشطة الأعلى إسهامًا في الإنتاجية، بما يعكس مستوى متقدمًا من التكامل التقني المؤسسي، لا مجرد الاستخدام التقني السطحي.
التحول المفاهيمي في محل القياس
لا يمثل الانتقال من اقتصاد الوظائف إلى اقتصاد المهام تطوراً فحسب، بل تغييرًا بنيويًا في طريقة فهمنا لهيكل الإنتاج. فالوظيفة، بوصفها وحدة تحليل تقليدية، تُخفي قدرًا كبيرًا من عدم التجانس (Heterogeneity) في القيمة المضافة بين المهام التي تتكوّن منها. فقد تُولد مهمة واحدة داخل وظيفة نمطية قيمة اقتصادية تفوق ما تنتجه وظيفة كاملة في قطاع آخر، وهو ما يجعل تحليل العمل عند مستوى المهمة أكثر دقة ومواءمة للنماذج الاقتصادية الحديثة.
ومع ذلك، لا تُختزل المسألة في إنتاجية المهمة فقط؛ إذ تشير دراسات مقارنة من بينها الدراسة الأسترالية الصادرة عن Australian Government Productivity Commission (2024) إلى أن المهام المرتبطة بالروح الريادية، والابتكار، وصنع المبادرات تُعدّ الأقل قابلية للأتمتة والأكثر التصاقًا بالقدرات البشرية. وهذا يضيف بُعدًا تكميليًا وتحديًا لمفهوم اقتصاد المهام، حيث لا يهدف المعيار إلى قياس القيمة الحدّية فحسب، بل إلى إبراز الفجوات الهيكلية بين ما يمكن للذكاء الاصطناعي إنجازه، وما يزال يُعدّ حكرًا على البشر. ومن هذا المنطلق، يشكّل مقياس GDPval نقطة تحول منهجية، إذ يعيد توصيف العمل بوصفه منظومة مهام متباينة الأثر وقابلة للأتمتة بدرجات مختلفة، ويتيح توزيع القيمة بطريقة تعكس الإنتاجية الحدّية لهذه المهام وخصائصها البشرية.
مقياس القيمة الحدية للمهام وسياق التحول الاقتصادي السعودي
في المملكة، يصبح تطبيق هذا المعيار جزءًا من التحول البنيوي الأكبر نحو اقتصاد يقوم على المعرفة والإنتاجية. فمع توسع الاستثمارات في الاقتصاد الرقمي، والمشاريع الضخمة، والقطاع المالي، والمدن الذكية، بالإضافة إلى المستهدفات الوطنية للنمو في ماله صله بالحكومة، البيانات والبنية التحتية، والتقنية والذكاء الاصطناعي أضحت الحاجة ملحّة لإطار قادر على تحديد:
ما هي المهام التي تُولد أعلى قيمة؟ ما هي المهارات التي ترفع هذه القيمة؟ وما هي المهام التي يجب أتمتتها أو إعادة توزيعها؟
وتشير بيانات AGILE Index إلى أن الدول الأكثر تنافسية هي تلك التي تُعيد هندسة المهام وليس الوظائف، وتبني أنظمة قادرة على توجيه الذكاء الاصطناعي نحو مهام عالية القيمة. وهو ما يتوافق مع اتجاه المملكة لتطوير رأس مال بشري قادر على خلق قيمة حدّية عالية، خصوصًا في القطاعات ذات الأولوية مثل التقنية المالية، الخدمات اللوجستية، الطاقة المتجددة، والصناعات المتقدمة.
دور البنية التحتية السعودية للذكاء الاصطناعي في تعظيم القيمة الحدّية للمهام
تتقدم المملكة بخطى متسارعة نحو بناء منظومة وطنية متكاملة للذكاء الاصطناعي، تقودها جهات بحثية وشركات تقنية سعودية مثل شركة (هيومين)، التي تشغّل نماذج لغوية وطنية قادرة على فهم السياق المؤسسي واللغوي السعودي بعمق يفوق قدرة النماذج العامة غير المتخصصة. ويعدّ النموذج اللغوي الوطني ALLAM امتدادًا مباشرًا للاستثمارات البحثية التي تقودها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، إذ يوفر بنية معرفية متقدمة تمكّن المؤسسات من أداء المهام المعتمدة على التحليل اللغوي، وإنتاج التقارير، وصياغة القرارات، وإدارة المعرفة بدقة أعلى ووقت أقل. وتتسع هذه المنظومة لتشمل تطبيقات صناعية متقدمة تقودها شركات وطنية كبرى مثل (أرامكو)، التي طوّرت حلول ذكاء اصطناعي تعتمد على التوأمة الرقمية والتحليل التنبئي ورفع موثوقية العمليات، وأسهمت في تحسين الكفاءة التشغيلية في عدد من الأنشطة الصناعية. وتمثل هذه التجارب اللغوية والصناعية مثالاً واضحًا على قدرة البنية الوطنية للذكاء الاصطناعي على تعزيز القيمة الحدّية للمهام عالية التعقيد، بما يتسق مباشرة مع منطق مقياس GDPvalالهادف إلى تعظيم القيمة الاقتصادية داخل كل قطاع.
ولا تُعد هذه البنية مجرد حل تقني، بل عنصرًا معززًا للإنتاجية من خلال قدرتها على إعادة توجيه الوقت والجهد داخل المؤسسات نحو المهام التي تمتلك أعلى قيمة حدّية وفق منطق مقياس GDPval. فمن خلال تحسين أداء المهام المعرفية ورفع جودتها، تصبح نماذج ALLAM أداة فعّالة في تحويل الذكاء الاصطناعي من تقنية واعدة إلى إنتاجية ملموسة، وتمكين رأس المال البشري من التركّز على الوظائف التي تولّد القيمة الاقتصادية الأكبر للاقتصاد الوطني.
كيف يعيد مقياس القيمة الحدية للمهام تشكيل أدوات صنع القرار؟
يتيح تطبيق مقياس القيمة الحدّية للمهام في الناتج المحلي إعادة صياغة جوهر السياسات المرتبطة بسوق العمل والتوطين والتدريب وإدارة الإنتاجية. فبدلاً من التركيز التقليدي على عدد الوظائف المستحدثة، يصبح بالإمكان قياس حصة المهام عالية القيمة داخل كل منشأة وقطاع. وبدلاً من تقييم برامج التدريب بعدد المستفيدين، يمكن قياس مقدار الارتفاع في القيمة الحدّية للمهام التي يتقنها المتدرب بعد اكتساب المهارة. كما يمنح هذا المعيار صانعي القرار صورة دقيقة للفجوة بين عرض المهارات وقيمة المهام في مختلف القطاعات، بما يسمح بتصميم سياسات أكثر دقة وفاعلية.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري لكل من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وصندوق تنمية الموارد البشرية (هدف)، والمرصد الوطني للعمل، بالإضافة إلى الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) بوصفها الجهات الأكثر قدرة على تحويل هذا المعيار إلى أداة تنفيذية داخل سوق العمل. إذ يمكن لهذه الجهات قيادة مبادرة وطنية لتطوير مصفوفة وطنية للمهام يعاد من خلالها توصيف المهن وفق قيمتها الحدّية الفعلية، وربطها مباشرة ببيانات سوق العمل واحتياجات القطاعات المتغيرة. ومع دمج هذه المصفوفة في برامج التوطين والتدريب، يصبح توجيه الموارد مبنيًا على بيانات دقيقة تعكس القيمة الاقتصادية الحقيقية لكل مهمة، لا على التصنيفات الوظيفية العامة.
كما يمكن لهذا النهج أن يقود إلى تطوير مؤشرات إنتاجية وطنية جديدة تُكمّل المؤشرات التقليدية، وتسمح بقياس أثر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي عبر التغير في القيمة الحدّية للمهام التي يعاد تصميمها داخل المؤسسات. ويُسهم ذلك في توجيه الاستثمار العام وخطط التطوير المؤسسي نحو المهام الأكثر ندرة والأعلى أثرًا في الناتج المحلي، وتعزيز قدرة القطاعين العام والخاص على توظيف الذكاء الاصطناعي في رفع الكفاءة والإنتاجية.
ومن أجل الوصول إلى هذه المرحلة، هل يمكن أن نرى وزارة الاقتصاد والتخطيط تأخذ قيادة جانب التخطيط الاقتصادي المرتبط بتقدير القيمة الحدّية للمهام داخل القطاعات الإنتاجية؟ فيما تتولى وزارة الموارد البشرية بناء الأطر التنظيمية لربط المهام ببرامج التوطين والتدريب؟ كما يمكن لـ (هدف) تطوير منصات رقمية تقيس أثر التدريب على القيمة الحدّية للمهام، فيما يتولى المرصد الوطني للعمل مهمة بناء قواعد البيانات وتحديث المصفوفة الوطنية للمهام بشكل دوري. إن هذه الأدوار التكاملية تمثل مسارًا تطبيقياً يمكن من خلاله تحويل معيار القيمة الحدية للمهام في الناتج المحلي الإجمالي من مجرد مفهوم نظري إلى أداة مركزية ذات فعالية في صنع القرار الوطني.
وفي الختام، إن تبني مقياس GDPval لم يعد مسألة فنية تخص أدوات القياس الاقتصادي، بل أصبح خيارًا استراتيجيًا يحدد موقع الدول في الاقتصاد العالمي القادم. فالمستقبل لن يكون منقسماً بين دول تملك التقنية وأخرى لا تملكها، بل بين دول تفهم "كيف تُحوِّل التقنية إلى إنتاجية" وأخرى تبقى مستهلكة لها. وفي حال لم تُعِد الاقتصادات ومن بينها الاقتصاد السعودي بناء منظومات العمل والتدريب والتوطين على مستوى المهمة لا الوظيفة، فإن الفجوة بين العرض المحلي من المهارات والطلب العالمي على المهام عالية القيمة ستتسع، ما قد يدفع المؤسسات إلى استيراد المهام ذات القيمة الحدّية المرتفعة من الخارج، تماماً كما يُستورد رأس المال أو الخدمات المتخصصة
ومع امتلاك المملكة بنية وطنية متقدمة للذكاء الاصطناعي، فإن الفرصة متاحة، بل ملحّة لتوطين القيمة قبل أن تتوطّن التقنية نفسها. المستقبل لن ينتظر من لا يعيد تشكيل سياساته ومؤسساته حول المهام التي تصنع الإنتاجية؛ فإمّا أن نكون اقتصادًا ينتج القيمة عبر المعرفة والتحول الرقمي، أو أن نتحول تدريجيًا إلى اقتصاد يستهلك القيمة التي ينتجها غيره. وفي هذا المفترق، يصبح الاستثمار في بنية المهام خياراً اقتصادياً وأمنياً في آن واحد، ومعيار GDPval هو نقطة البداية نحو اقتصاد قادر على إنتاج المعرفة، لا استيرادها.
المقالة منشورة في العدد الأخير من "نشرة الاقتصاد" الصادرة عن جمعية الاقتصاد السعودية.

