الأهداف المعلنة هي الملف النووي والأسلحة الهجومية والسلوك السياسي التخريبي لإيران خارجياً، لكن ذلك ليس جديداً، وكان يمكن التعامل معه منذ سنوات قبل أن تنضج هذه المشاريع عند إيران، وتحتاج لعمل كبير له تبعاته وتداعياته حتى لو كانت لفترة مؤقتة هذا العام، إلا أن السكوت عنه ظاهرياً كان لتحقيق أهداف بالمنطقة ولاستنزاف إيران أيضاً بتقليص حجم التنمية فيها لصالح مشاريع يتم تدمير مقوماتها حالياً.
أما على صعيد الأثر الاقتصادي للعمليات الحالية فليس بجديد أن يطل علينا أي مركز أبحاث أو بنك عالمي أو خبير اقتصادي دولي ليقول إن هذه الحرب التي تقع في أكثر مناطق العالم تأثيراً بالاقتصاد العالمي أنها تسببت مع ارتفاع أسعار الطاقة ونقص إمدادات النفط والغاز والأسمدة وغيرها من المشتقات النفطية وستؤدي لركود تضخمي لو استمرت لشهر آخر ووصلت أسعار النفط إلى 150 دولار معتبرين أنها أزمة غير مسبوقة في تاثيرها وتداعياتها الاقتصادية ويلاحظ ذلك من خلال قرارات تقنين استهلاك الطاقة والوقود بعدة دول كما بدأت أسعار بعض السلع ترتفع عالمياً بسبب ارتفاع أسعار الشحن في كثير من دول العالم أما في أميركا فبالتأكيد كان هناك أثر ملموس رغم أنها لا تعاني نقصا بإمدادات الطاقة فهي أكبر منتج لها وتستورد باقي احتياجها من جيرانها كندا وفنزويلا أي لا تعتمد إطلاقا على النفط من الشرق الأوسط إلا بنسبة ضئيلة قد تصل الى 1 بالمائة ومع ذلك ارتفع سعر الوقود بأميركا لأرقام كبيرة جداً وتبعه أثر في غلاء العديد من السلع الاستهلاكية.
أما رسميا، فقد أوضح رئيس الاحتياطي الأمريكي جيروم باول أن هذه الحرب لها تأثيرها في التضخم، قائلاً إنه لا يعرف آثار الوضع الحالي على الاقتصاد لكن يبقى هناك سؤال واحد فقط تندرج تحته كل الأسئلة التي تبحث عن التفاصيل وهو إذا كانت أميركا المعروفة بدقة توقعاتها الاقتصادية وتعد مرجعية عالمية في ذلك بآلياتها التي تبني عليها تقديراتها لأثر وتكلفة كل قرار وخطوة تتخذها خصوصاً الحروب، وذلك نتيجة الخبرة الهائلة ولامتلاكها أكبر مراكز الأبحاث المتقدمة بكافة المجالات خصوصاً الاقتصادية فلماذا تخوض حرباً معروف بديهياً أن ستؤدي خلال نشوبها وبعد توقفها لفترة قصيرة أو متوسطة لغلاء بالأسعار وتأثير على إنفاق المستهلك الذي يعد أهم ركيزة في نمو ونشاط الاقتصاد الأمريكي ويؤثر بحوالي 70 بالمائة من الناتج الإجمالي الذي يتخطى 30 تريليون دولار سنوياً ؟
كما أن هذه التداعيات للحرب سترفع التضخم وبالتالي تغير خطط الفيدرالي بخفض الفائدة إلى الاستعداد لرفعها مجدداً وهو ما يتناقض مع واقع سوق العمل الضعيف حالياً والذي عادة ما يكون الدافع الأكبر لخفض الفائدة في حال ارتفاع البطالة لأنه المؤشر الأهم الذي يعكس تباطؤ الاقتصاد.
من هنا لابد أن يكون التحليل أعمق في فهم كل توجهات أميركا في السنوات العشر الماضية على أقل تقدير؛ لأنه ظهر في توجهات وقرارات كانت صادمة بتحركات سياسية مفاجئة وبقرارات لأعمال عسكرية غير متوقعة بحجمها وطريقتها عالمياً ولا يستثنى من ذلك الحزبين الحاكمين؛ فسواء كان الرئيس ديمقراطيا أو جمهوريا فإن تحركهم الخارجي يأتي ضمن سياق أهداف استراتيجية لا يحيدون عنها إنما الاختلاف بالعمل المرحلي والتكتيك المتبع لتحقيق أهداف كل مرحلة ففي عهد كلينتون بدأ التأسيس لنشر الفوضى في الشرق الأوسط بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتحول دول أوروبا الشرقية عن المعتقدات والأيديولوجية الاشتراكية والشيوعية السابقة، فبدأ معها التأسيس للتغيير أيضا في ما تبقى من دول قريبة من النهج السوفيتي، ثم جاء بوش الابن ليقوم بحربين احتل فيهما أفغانستان والعراق معلناً بذلك مشروع الفوضى الخلاقة، وأكمل أوباما المهمة مع استخدام أدوات معروفة لتكريس الفوضى وبقدر ما غضوا النظر عن إيران بالسماح لها بالتمدد لعدة دول ضربتها الفوضى فإنهم كانوا أيضا يستنزفوها لأنها هدف مستقبلي لتغيير نهجها السياسي الثوري التخريبي لتكون معهم في مواجهة مشروع الحزام والطريق الصيني كونها أحد أطراف الأرض المهمة للاختراق الجغرافي لآسيا الوسطى.. وكدليل على أنه لا تختلف فترة أو حزب عن غيره فقد تدرب الأمريكيون حسب ما أعلن رئيس الأركان ووزير الحرب في صيف 2025 بأنهم نفذوا عمليات محاكاة لقصف مفاعلات إيران في عام 2014 أي بعهد أوباما والتي نفذوها بقنابل خارقة أعدت لها.
وفي عهد ترمب، بولايته الأولى أسس لمرحلة جديدة بمواجهة إيران فانسحب من الاتفاق النووي، وهو ما كان أساساً موجوداً بالاتفاق الذي وقعه أوباما، أي هناك باب للخروج وتحويل المسار لمواجهة عسكرية وليس اقتصادية أو سياسية فقط وفي عهد بايدن انطلقت عمليات تحجيم المشروع الإيراني ويكمل ترمب باقي المهمة حالياً إن كل هذه النقاط المذكورة سريعا مع ما تم الاستعداد له عبر سنوات قاربت العشرين لهذه المواجهة، تدل أن هناك مكاسب أكبر بكثير تسعى لها أميركا وأن التكلفة الحالية تعد ثمناً زهيداً قياساً بمنافع المستقبل.
ومن هنا، فإن أهم مكاسب أميركا ليست فقط اقتصادية بل وجودية على رأس هرم الاقتصاد العالمي؛ فالصين تسيطر على قرابة 18% من التجارة الدولية وبدأت تدريجياً تتحول لتعاملاتها مع الدول التي انضمت لمبادرة الحزام والطريق باليوان عملتها الوطنية وذلك في تقليص تدريجي لتعاملات الدولار دولياً الذي يعد « حجر سنمار « في بقاء الاتحاد الفيدرالي الأمريكي قائماً فإذا فقدت أهميته ستدخل أميركا في مخاض عسير لا يعرف نهايته كيف ستكون إضافة إلى أن ما تقوم به وما أعلن عن تحركها نحو وضع خارطة أميركا الشمالية الكبرى التي تضم عدة دول تتشارك معها بالأمن القومي بكل أبعاده يدل على التأسيس للمواجهة مع الصين وحتى أوروبا مستقبلا التي تعد نداً لها وتلمح أميركا للابتعاد عنها بل وحتى إعادة النظر بدورها بحلف الناتو وتسعى لتشكيل تحالفات جديدة عالمياً.
إن الثمن الحالي للحرب لا يقتصر على تكلفة العمليات العسكرية بل الأثر بالاقتصاد، لكن عند مقارنته بالهدف الأكبر لتحد وجودي لأميركا كأكبر قوة اقتصادية يعد ثمناً زهيداً جداً وهو ما يجعلها تتحمل التبعات الحالية؛ لأن الأهداف المستقبلية أكثر أهمية وأبلغ في المكاسب حتى وإن كانت النتائج ليست مضمونة بالمطلق، لكن يبدو أن الامريكيين قرروا اتخاذ كل هذه الخطوات لأنه لابديل عنها وإلا سينطبق عليهم قول الرئيس بايدن حسب ما نسب له بأننا «إن لم نتحرك ضد الصين فإنها ستأكل عشاءنا».
نقلا عن الجزيرة


