حل إيلون ماسك للأزمة الأمريكية.. بيع الوهم على غريق

22/02/2026 0
د. محمد آل عباس

منذ مغادرته حكومة دونالد ترمب 2025 ظهر "إيلون ماسكElon Musk " في أكثر من بودكاست أمريكي، يتحدث بأسلوب العالم الاقتصادي الذي يعرف ماهي الأزمة الأمريكية الحالية ويعرف حلها، يريد أن يلبس عباءة كنز مع أزمة الكساد، لكن "إيلون ماسك" في الأساس رجل أعمال ذكي وصارم، ولذا فإن فهم الحل الاقتصادي الذي يقصده يجب أن يمر من خلال هذا التصور.

بداية فقد سبق وشرحت الأزمة الأمريكية في أكثر من مقال يمكن الرجوع لها، ولكنني سوف أقدم هنا وجهة نظر "ماسك" عن هذه الأزمة، فالأزمة كما يراها تكمن في ضخامة الدين العام الأمريكي، والذي يقترب من 40 ترليون دولار، وهذا معناه فوائد دين ضخمة جدا، يجب أن تدفع بشكل مستمر، فلا يمكن للاقتصاد الأمريكي أن يسدد هذا الدين الضخم حتى لو قررت الولايات المتحدة طباعة النقود بشكل مفرط وتسديده.

 فأمريكا التي ابتكرت الاقتصاد الكنزي تقع اليوم في حبائله، يجب أن تكون كمية النقد في الاقتصاد محسوبة بدقة حتى لا يتم التورط في التضخم أو الركود، لكن فوائد الدين كما يقول "ماسك" تجاوزت الميزانية العسكرية، وسوف تستنفد كل الأموال التي لدى الحكومة الأمريكية من كافة إيراداتها السيادية ولن يبقى شيء للبنى التحية ودعم الاقتصاد، لن يبقى شيء حتى لدعم الرعاية الصحية والأمن الداخلي.

وأمريكا اليوم تعاني الأمرين من البنية التحتية التي تضربها الأعاصير التي لا ترحم، لكن "ماسك" يرى المشكلة أكبر فحتى أموال صناديق التقاعد لن تكفي في معالجة المخاطر القادمة وفي مرحلة ما سيتم تخفيض أموال التقاعد، هذا الوضع انعكس على تفاؤل الأمريكيين بالمستقبل.

ووفقا للبودكاست الذي ظهر فيه "ماسك" مؤخرا فإن 45% من الأمريكيين يفضلون العيش في الماضي، بينما قال 14% فقط إنهم يفضلون العيش في المستقبل. يقول "ماسك"  في أحد اللقاءات إن الوضع غير قابل للإصلاح وحتى لو تم تحسينه واتخذت إجراءات صارمة للغاية، (مثل إجراءات جنكيز خان – وهذه فلسفة خاصة عند "ماسك")، في خفض الهدر، والاحتيال.

وهو أمر لا يمكنك فعله في دولة ديمقراطية، فإن هذه الإجراءات قد تمنح متسعًا من الوقت، لكنها لا تستطيع سداد الديون الوطنية، ولن يكون هناك حل للأزمة، وستُعلن أمريكا إفلاسها، ولذلك يرى بأن الحل والسبيل الوحيد للخروج من أزمة الديون ومنع أمريكا من الإفلاس هو تنمية الاقتصاد بمعدل يسمح بسداد الديون، ورفع الناتج المحلي الاقتصادي بشكل مفرط.

لفهم الحل، فإن "ماسك" يفرق بين الذكاء الاصطناعي والربوتات، فالذكاء الاصطناعي الذي يتسابق العالم في حلباته اليوم قادر على معالجة الوظائف الإدارية، ووظائف أصحاب الياقات البيضاء كما تسمي، من محاسبين ومستشارين إداريين، وموارد بشرية، وحتى بعض الوظائف الطبية، لكن حتى الآن لم تتمكن تلك الآلات من تحريك الذرات بالصورة المثالية.

 وهنا يقصد أن تقوم بكل الأعمال التي يقوم بها البشر حتى السباكة، لكن هذا يبدو كمصيبة على البشر وليس حلا، لكن الأمر مختلف فليس سيئا كما يبدو، ما يريد "ماسك" طرحه هو أن قدرة الآلات على القيام بكل الوظائف سوف يقود لوفرة هائلة في الإنتاج في وقت تصبح تكلفة هذه المنتجات قريبة من الصفر.

والسبب أن معظم تكلفة المنتجات تتركز في تكلفة العمالة، فإن أصبحت الآلات تعمل فإنها تحتاج فقط للطاقة، والمواد، وبذلك تحتفي تكلفة العمل تماما، وتنخفض تكلفة رأس المال بشكل كبير أيضا، ما يعني اقتراب التكلفة الحدية للنقطة الصفر، مع تضخم الإنتاج بشكل هائل، فهذه الآلات تعمل دون كلل. لكن كيف تنخفض تكلفة رأس المال، يقول "ماسك" إن الحكومات لن تستوعب الأمر تماما.

فما يحصل هو تضخم في الإنتاج يرفع بشكل هائل قيمة الناتج المحلي ما يتطلب توزانا نقديا مماثلا الأمر الذي يعني أن تقوم الحكومات بطباعة النقد وإصداره لكي تحقق التوازن، وفي مرحلة ما سوف يتم إصدار العملات الرقمية بشكل مذهل، وفي مرحلة متقدمة يصبح الواط هو العملة، وهذا يعني توفر النقد بشكل ضخم دون الحاجة الفعلية له فتكلفة الخدمات والمنتجات كانت تقترب من الصفر.

هنا يردد "ماسك" عبارته بأنه لن يكون أحد بحاجة للمال في المستقبل، لأن الخدمات ستكون متوفرة بشكل أكبر من احتياج الناس، ولن يبقى للناس ما يهتمون به سوى الاستمتاع بالحياة ولعب القولف وتجربة البيتزا، يقول "ماسك" بكل ثقة بأنه وفي نهاية المطاف، سيصبح العمل اختياريًا، لأننا سنمتلك روبوتات إضافة إلى الذكاء الاصطناعي، وسنحصل في سيناريو مثالي على دخل مرتفع شامل. الأمر سيكون أشبه بفلم "وول-اي" (WALL-E)، والذي أنتجته شركة "بيكسار" 2008.

ما يراه "ماسك" أننا أمام تحول حاسم، والحل يكمن في دعم هذا الخيار، لكن مشكلة هذا الحل وفقا "لماسك" هي في احتياج هذه الآلات للطاقة، فلا يوجد طاقة في الأرض تستطيع مد هذه الأجهزة بكل ما تحتاجه دون تضخيم التكلفة، فالحل هو في الطاقة الشمسية، طاقة هائلة متوفرة بسهولة لو تمكنت الآلات من الوصول لها بسهولة.

هذا ما يراه "ماسك" باختصار شديد، لكن ما أعتقده هو أمر مختلف تماما، فإليون ماسك ليس رجل اقتصاد بل تاجر يريد بيع بضاعته على غريق، ولعلي أشرح ذلك في مقال قادم بإذن الله.

 

نقلا عن الاقتصادية