لطالما ارتبط مصير الاقتصاد السعودي ارتباطًا وثيقًا بدورة أسعار النفط العالمية. فالسعودية التي تمتلك نحو 21% من احتياطيات النفط العالمية وتُعد أكبر مُصدِّر للخام بنحو 16% من الحصة السوقية، شهدت عقودا طويلة كانت فيها عائدات النفط هي المُحرِّك الرئيسي، حيث فاقت مساهمتها في الإيرادات الحكومية نسبة 75%. هذه الهيمنة، رغم أنها وفرت قوة مالية هائلة، إلا أنها كانت تحمل في طياتها تحديًا هيكليًا تمثل في التعرض الحاد والمباشر لتقلبات أسعار الطاقة.
كانت المشكلة الأساسية تكمن في أن أي تذبذب في أسعار النفط يظهر فورًا وبشكل قاسٍ على الإيرادات العامة للدولة، وبالتالي على حجم الإنفاق العام ومسار تمويل جميع مشاريع التنمية. لقد واجه الاقتصاد السعودي بشكل متكرر ما يُعرف بـ "الصدمات المالية، وهي موجات من الانهيار السعري التي تقود إلى تراجع الموارد الحكومية أحيانًا بنسبة تصل إلى 50%، كما حدث خلال أزمة الثمانينيات وخلال الأزمة المالية العالمية في 2008. في المقابل، كانت فترات الازدهار السعري، مثل الفترة الممتدة من 2002 إلى 2014، توفر سيولة ضخمة، حيث ارتفعت الإيرادات إلى نحو خمسة أضعاف مستواها، ما سمح بتعزيز الإنفاق وتكوين احتياطيات حكومية كبيرة.
ومع ذلك، بقيت تلك الفترة تُدار بما يشبه "اقتصاد الفرصة"؛ إذ كان الغياب النسبي للرؤية والتخطيط الإستراتيجي طويل المدى هو السمة البارزة، ما جعل الاقتصاد السعودي يدور دائمًا في حلقة مفرغة من دورات الازدهار والانكماش المرتبطة بأسواق الطاقة العالمية.
عندما أنطلقت رؤية السعودية 2030، سعت بشكل صريح لتحقيق تحول جذري يهدف إلى كسر هذا الارتباط التاريخي، وهذا ما صرح به وزير المالية السعودي في "ملتقى الميزانية 2026"، بأن التحدي الأكبر سابقًا كان يتمثل في أن "الإنفاق الذي يساير الدورة الاقتصادية" النفطية، بينما الآن، وبفضل السياسة الحكومية المُنظَّمة، فإن الإنفاق "يتزايد بطريقة مدروسة".
هذا يعني أن هناك تحولًا فعليًا في إدارة المالية العامة يهدف إلى فصل مسار الإنفاق عن التقلبات الحادة في أسعار النفط وإيراداته. هذا الفصل يضمن استمرار دفع عجلة النمو في الاقتصاد غير النفطي بشكل مستدام ومخطط له، بغض النظر عن تذبذبات السوق، لكن يبقى السؤال ما الذي اختلف فعليًا؟ فأسعار النفط كانت تتراجع قبل الرؤية وكان هناك عجز في الميزانية، واليوم بعد الرؤية أيضًا لدينا عجز.
الفرق الجوهري، كما يقدمه الوزير، لا يكمن في وجود العجز بحد ذاته، بل في هدف العجز ووظيفته فسابقا كان العجز اضطراريا (ردة الفعل) يحدث نتيجة نقص مفاجئ في إيرادات النفط (صدمة سلبية)، ما يجبر الحكومة على الاقتراض أو استخدام الاحتياطيات لتغطية نفقاتها التشغيلية والالتزامات القائمة، وكانت الحكومة تتجنب الدين ما أمكنها لأن الهدف هو سد الفجوة الاضطرارية، والدين قد أوجد مشكلة مستدامة إذا لم يكن مستهدفا لإحداث تغيير هيكلي.
في المقابل فإن العجز اليوم كما وصفه وزير المالية بالعجز الإستراتيجي (الفعل المُخطط له) لأنه يحدث نتيجة زيادة مُتعمَّدة في الإنفاق الاستثماري والرأسمالي على مشاريع إستراتيجية ضخمة تهدف إلى تحقيق نمو مستقبلي وعوائد طويلة الأجل من خلال إحداث تغيير عميق في هيكل الاقتصاد وتنوعه.
فالحكومة تختار اليوم أن يكون هناك عجز وتُحدد قيمته؛ فالغرض ليس سد فجوة للحفاظ على التوازن، بل تمويل التحول الهيكلي وخلق قطاعات اقتصادية جديدة لزيادة الإيرادات غير النفطية المستقبلية.
على هذا الأساس، فإن الميزانية السعودية أصبح لها دور وظيفي أبعد من مجرد تمويل الإنفاق العام ومراقبته، بل هي أداة لمعالجة التحدي التاريخي للتعرض لصدمات النفط ضمن إطار رؤية 2030 لتنفيذ 3 إستراتيجيات محورية أولها أن يصبح النمو في الإيرادات غير النفطية مستدامًا، ويسهم بقوة في تمويل الميزانية.
هذا يتضمن تطوير قطاعات جديدة وزيادة فاعلية الضرائب والرسوم غير المباشرة. ثانيا، النمو الاقتصادي النابع من الداخل من خلال التحول من اقتصاد يعتمد على العائدات النفطية الخارجية إلى اقتصاد تُطلق فيه القوة الإنتاجية المحلية. يتم ذلك من خلال تفعيل دور صندوق الاستثمارات العامة لتمويل مشاريع استثمارية هائلة في قطاعات جديدة (كالسياحة، والصناعة، والتعدين، والتقنية) لا تعتمد في نموها على النفط، ثالثا، بناء مركز مالي قوي، لا يقتصر على الاحتياطيات الإستراتيجية لدى البنك المركزي، بل يشمل بناء سوق متطورة لأدوات الدين.
هذا يسمح للحكومة بفصل الإنفاق الحكومي عن تقلبات النفط، وضمان استمرار دفع المشاريع التنموية حتى في فترات انخفاض الأسعار، ما يمنع تكرار سيناريوهات الماضي.
تؤكد الدراسات، مثل تلك التي أجراها مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية (KAPSARC)، أن هذا النهج سيجعل الناتج المحلي الإجمالي في السعودية أكثر متانة لمواجهة صدمات أسعار النفط، مؤكدة على أن تنفيذ سياسة التنويع الاقتصادي هو المسار الوحيد لتحقيق الاستقرار الاقتصادي المنشود.
فالسعودية لم تعد تتعامل مع النفط كأمر واقع لا يمكن تغييره، بل كنقطة انطلاق لتمويل تحول أكبر، ولهذا أكد وزير المالية في تصريحاته على أهمية دور النفط، لكن الفارق الحقيقي بين الأمس واليوم لا يكمن في وجود العجز، بل في أيديولوجية إدارة العجز. بالأمس، كان العجز سيفاً مسلطاً يهدد استقرار الإنفاق.
اليوم، أصبح العجز أداة استثمارية مُتعمَّدة تخدم خطة إستراتيجية للفصل التام بين مسار الإنفاق التنموي ومسار التقلبات النفطية. هذا التحول يعني الانتقال من كون الاقتصاد السعودي تابعاً لتقلبات سوق الطاقة، إلى كونه صانعاً ومُحفزاً لنموه الذاتي المستدام والقائم على تنويع المصادر وتوطين القيمة المضافة.
نقلا عن الاقتصادية



السؤال الذي لم يجيب عليه اي شخص متى سيتوقف الاقتراض ومتى سيبدا الدين العام في النزول
لا احد يسأل متى ترتفع اسعار النفط فهذا في علم الغيب وطبيعة السوق ان اسعار النفط قد تستمر منخفضة 20 سنة متواصلة ويتفاوت هذا الانخفاض قد يكون شديدا وقد يكون انخفاض معقول وفي الحالتين يعتبر منخفض يؤدي لعجز في الميزانية حتى لو زادت الايرادات غير النفطية فهي لاتعوض انخفاض ايرادات النفط في حال كان انخفاضها كبير لكنها تعوض بعض الانخفاض فقط وتساعد على تحمل الانخفاض اما انخفاض الدين فلا يوجد دولة تستهدف خفض الدين كهدف تركز عليه انما الدول تهتم بزيادة الناتج المحلي الإجمالي حتى تنخفض نسبة الدين للناتج المحلي او تكون زيادة النسبة بطيئة بسبب نمو الاقتصاد اما خفض الدين نفسه يحدث عند حدوث فائض كبير في الميزانية يستمر لعدة سنوات متتالية كما حدث في الطفرة الثانية من 2004 الى 2014 اما فائض محدود او لسنة او سنتين الأولوية لتعزيز الاحتياطيات واستثمارها لتحقق عائد اكبر من فوائد الدين ثم اذا صار عندك احتياطيات كافية تفوق حاجتك بعدها تتجه لخفض الدين
حلو اذا ارتفع النفط ٢٠ دولار للبرميل بسبب الحروب وحققنا مكاسب لحظية وبعد كذا ايش اللي يصير؟ يرجع الركود في ظل عالم يتجه الى الطاقة المتجددة وانتهاء الحروب .. لكن وش مع ثورة الذكاء الاصطناعي؟؟؟ ما اشوف اي دعم لهذا الشيء عندنا في المنطقة !! كيف ادخل استثمر في اسهم شركات الذكاء الاصطناعي اللي تحقق مكاسب مستمرة مثل انفيديا او الشركات الناشئة اللي تحقق ارتفاعات مهولة بفترة قصيرة؟ اعرف مواطني دول اخرى باوروبا وشمال امريكا يحققون ارباح فلكية سريعة وانا ما حصلت شي هنا حتى دخلت ببنك استثمار اماراتي تجارة كابيتال هم يديرون كل شيء ويضمنون راس المال جدا واحصل لي ارباح شهرية مستدامة والامور طيبة جدا لكن ماذا عن منصات الاسهم المباشرة في هذي الاسواق؟؟ هذا كل ما كنا نبغاه طوال هذه السنين لكن ماذا مع جهات اخرى ؟ يا حسافة على قلتها
بإعتقادي المتواضع بإعتقادي المتواضع، أن أول محاولات فصل الإنفاق الحكومي التنموي عن صدمات أسعار البترول كانت قبل عشرات السنين عندما تمّ إعتماد تغيير سنة ميزانية الدولة من قمرية إلى شمسية !!! ذلك أن مبيعات السلعة الأهم لواردات الدولة ا(لبترول) كانت أغلبها موسمية وتتبع حركة الشمس وليس القمر (تدفئة البرودة في النصف الشمالي للكرة الأرضية وتبريد حرارة وسطها وجنوبها) ولكن تلك الخطوة لم تكن كافية وكانت تكنيكية (ردة فعل) وليست إستراتيجية (فعل أصيل) لتغيير هيكلية الميزانية !!... والحديث يطول... والسلام.
شكرا لك مقال ضاف بلغة مفصلة. أهم ما فيه التأكيد على أن التحرر من سعر مرتفع للنفط هو الهدف، وليس الاستغناء عن النفط كما يتوهم كثير من الناس أو بعضهم.