الجامعات ونجاح «إنفيديا»

09/02/2026 0
د. عبدالله الردادي

لم تبدأ شركة «إنفيديا» بوصفها ركيزة للاقتصاد العالمي، أو لاعباً في قلب التحولات الجيوسياسية والتقنية، ففي منتصف تسعينات القرن الماضي كانت مجرد شركة ناشئة تعمل في مجال ضيّق نسبياً، وهو تحسين الرسوميات للألعاب الحاسوبية، وهو سوق محدودة، تنافسية، سريعة التغيّر، ولا تمنح عادة شركاتها عمراً طويلاً. وقد واجهت «إنفيديا» في سنواتها الأولى إخفاقات تقنية وتجارية كادت تضع حدّاً لمسيرتها، ولم يكن مستقبلها آنذاك أكثر إشراقاً من عشرات الشركات التي سبقتها واختفت مع أزمة «دوت كوم».

نقطة التحول للشركة لم تأتِ من تحسين منتج الألعاب نفسه، بل من سؤال طرحته قيادة الشركة وهو: ماذا يمكن لشرائحها أن تفعل لو أُعيد تعريف دورها؟ هنا بدأت «إنفيديا» تنظر إلى وحدة معالجة الرسوميات (GPU) ليس بوصفها أداةً لعرض الصور فقط، بل معالج قادر على تنفيذ عمليات حسابية متوازية على نطاق واسع، هذا التصور كان سابقاً للسوق ومخالفاً لمنطقها إلى حد ما، فالشركات لم تكن تطلب هذا النوع من الحوسبة، بل كان الأغلب في منتصف التسعينات ونهايتها يبحث عن الحوسبة المؤسسية التي تميزت فيها «مايكروسوفت» ببرمجياتها المكتبية، وحتى المستثمرون لم يروا في هذا المسار ربحية واضحة الملامح.

وبدلاً من مطاردة سوق مزدحمة، اتخذت «إنفيديا» مساراً مختلفاً لا يمر عبر الشركات الكبرى أو مراكز البيانات، بل عبر الجامعات والمختبرات البحثية، وكانت هذه الخطوة أشبه بالرهان الاستراتيجي، فالجامعات لا تفكر بمنطق العائد السريع، بل بمنطق القدرة العلمية، والباحث لا يسأل عن نموذج العمل، بل عن إمكانية حل مسألة كانت مستحيلة بالأدوات التقليدية.

في هذا السياق وُلدت منصة «كودا» (CUDA)، وهي تمثل عملياً المفصل التاريخي الأهم في قصة «إنفيديا»، ولم تكن الشركة لتنجح دونها، حسب تصريح الرئيس التنفيذي نفسه، إذ أتاحت هذه المنصة للباحثين والمطورين برمجة وحدات معالجة الرسوميات للاستخدام في تطبيقات الفيزياء والكيمياء والهندسة والطب وغيرها، ورأت الشركة أن الأطباء أصبحوا يستخدمون المعالجات لمحاكاة صور الأشعة الطبية، وهو شيء لم يكن ليحدث لو لم تتح هذه الخدمة لقطاع البحث الطبي، وحينها أصبحت هذه المعالجات أداة تفكير علمي، لا مجرد قطعة من مكونات الحاسب.

ولم تقدم منصة «كودا» بوصفها منتجاً تجارياً مغلقاً، بل بيئة تعليمية وبحثية مفتوحة نسبياً، ودعمت الشركة من خلالها أقساماً جامعية، ووفّرت وثائق تقنية مصوغة بلغة أكاديمية، وشجّعت استخدام المنصة في الرسائل العلمية والأبحاث المنشورة، ولم تطلب التزاماً شرائياً، ولم تربط الدعم بعقود، بل سمحت للأداة بأن تنتشر طبيعياً في البيئة العلمية، وبهذا الأسلوب، لم تعد الشركة تبيع منتجاً بقدر ما أنشأت لغة جديدة للتفكير المبني على الأدوات الحاسوبية.

ويظهر في هذه الحالة ما يُسمى بالاعتماد أو الانغلاق المعرفي (Cognitive Lock-in)، فالطالب أو الباحث الذي يتعلّم التفكير الحاسوبي باستخدام «كودا»، ويطور حدسه العلمي بالحوسبة المتوازية باستخدام هذه المنصة، يُصبح مع مرور الوقت يفكر في حل مشكلاته باستخدام الطريقة نفسها، ويصبح الانتقال إلى بيئة أخرى صعباً لأنه اعتاد هذه المنهجية. واستفادت «إنفيديا» من الجامعات بذلك من ناحيتين؛ الأولى أن المختبرات البحثية قدمت بيئة اختبار حقيقية لتقنيات لم تكن لها سوق بعد، ودون مخاطرة تجارية أو استثمارات ضبابية، والثانية أنها كونت أجيالاً من الباحثين الذين يرون الحوسبة المتوازية خياراً طبيعياً ومنطقياً، وعندما بدأت خوارزميات التعلم العميق (وحتى عمليات التعدين للعملات المشفرة) تُحقق اختراقات علمية كانت أدوات «إنفيديا» هي الخيار المناسب داخل الأوساط الأكاديمية، فالأدوات جاهزة، واللغة البرمجية موجودة، والكفاءات مدربة على التعامل مع ذلك كله.

وبذلك تحوّلت «إنفيديا» من شركة ألعاب إلى بنية تحتية أساسية للذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة، وجوهر هذا التحول أن الشركة لم تصنع منتجاً نهائياً موجّهاً للمستخدم الأخير، كما هي الحال في كثير من نماذج الحوسبة المؤسسية، بل صنعت ما يُسمى بالنقطة الحرجة، التي تعتمد عليها منظومات كاملة، من البحث العلمي، والصناعة، والذكاء الاصطناعي، وحتى الأمن القومي، ومن يُسيطر على هذه النقطة لا ينافس على سوق واحدة، بل يؤثر في اتجاه النظام بأكمله، حتى أصبحت منتجات الشركة أداة للنزاعات السياسية والاقتصادية حول العالم.

وكان يمكن لـ«إنفيديا» أن تركب موجة الحوسبة المؤسسية مع غيرها من شركات الأجهزة والبرمجيات في نهاية التسعينات، والتي ازدهر الكثير منها في شتى المجالات، ولكنها استعدت بطريقتها للموجة الجديدة، وحين جاءت التطبيقات التي تتطلب قدرة معالجة عالية، التي تنبأ بها العلم منذ سنين، كانت الشركة تملك وتبيع الأدوات التي تمكّن من ركوب هذه الموجة، ولم يكن غيرها مستعداً كما كانت هي، وبقي أسلوبها في التعامل مع الجامعات بوصفها شريكاً علمياً هو العامل الحاسم، في وقت كانت تتسابق فيه الشركات لبيع منتجاتها للجامعات والاستفادة من مبالغ الاشتراكات دون شيء آخر.

 

نقلا عن الشرق الأوسط