كيف سرق الدفع الرقمي إحساسنا بقيمة المال؟

04/02/2026 0
حسين بن حمد الرقيب

لم يعد الدفع الرقمي مجرد تطور تقني يسهّل عملية الشراء، بل أصبح جزءًا خفيًا من حياتنا اليومية، يتسلل إلى تفاصيل الاستهلاك الصغيرة قبل القرارات الكبيرة، ويعيد تشكيل علاقتنا بالمال دون أن نشعر، في لحظة واحدة وبنقرة سريعة على الهاتف أو تمرير بطاقة، ينتقل المال من حساب إلى آخر، وكأن الفعل ذاته فقد وزنه النفسي الذي كان يرافقه حين كنا نعدّ النقود ونشعر بثقلها بين أيدينا.

هذا التحول البسيط في الشكل أخفى وراءه تغييرًا عميقًا في السلوك، فحين يختفي الاحتكاك المباشر مع المال، يصبح الإنفاق أكثر سلاسة، وأقل مقاومة، لا يعود المستهلك يفكر طويلًا قبل شراء قهوة إضافية أو طلب وجبة عبر تطبيق، ولا يشعر بالفارق الفوري بين ما يملكه وما ينفقه، ومع تكرار هذه القرارات الصغيرة، يتغير نمط الاستهلاك ككل، ويتحول الإنفاق من فعل محسوب إلى عادة يومية.

الدفع الرقمي لم يسرّع فقط عملية الشراء، بل قرّب المسافة بين الرغبة والتنفيذ، ما كان يحتاج سابقًا إلى تخطيط أو خروج فعلي أصبح متاحًا في أي وقت، مدفوعًا بعروض فورية وتنبيهات ذكية وبرامج ولاء مصممة بعناية لاستبقاء المستهلك داخل دائرة الشراء، هكذا نشأت أنماط استهلاكية جديدة، تقوم على السرعة والسهولة، وتغذّيها الاشتراكات والدفع التلقائي والشراء عند الطلب.

ورغم ما يحمله هذا التحول من راحة وكفاءة، إلا أن له وجهًا آخر أقل وضوحًا، سهولة الدفع قد تضعف الإحساس بالحدود المالية، خاصة لدى من لم تتشكل لديهم بعد ثقافة إنفاق راسخة، ومع انتشار خيارات الدفع المؤجل والائتمان السريع، يصبح الاستهلاك أحيانًا سابقًا للدخل، وتتراكم الالتزامات دون إدراك فوري لحجمها الحقيقي، هنا لا يكون الخطر في التقنية ذاتها، بل في استخدامها دون وعي.

في المقابل، يفتح الدفع الرقمي بابًا مختلفًا لمن يحسن التعامل معه، فكل عملية شراء مسجلة، وكل ريال قابل للتتبع، ما يمنح المستهلك فرصة غير مسبوقة لفهم سلوكه المالي، ومراجعة أولوياته، وإعادة ضبط إنفاقه، كما تسهم هذه الأدوات في تعزيز الشفافية وتقليص الاعتماد على النقد، بما ينعكس على كفاءة الاقتصاد وسهولة الرقابة المالية.

بين هذه التحولات المتسارعة، يبدو الدفع الرقمي أشبه بمرآة تعكس علاقتنا الحديثة بالاستهلاك، هو ليس سببًا مباشرًا للإفراط، ولا ضمانة تلقائية للانضباط، بل أداة تكشف طريقة تفكيرنا في المال، ومع استمرار هذا التحول، يبقى التحدي الحقيقي في أن نواكب السرعة التقنية بوعي مالي مماثل، يضمن أن تظل السهولة في الدفع وسيلة للتمكين لا مدخلًا لاستهلاك بلا حدود.

 

نقلا عن جريدة الرياض