هل المدارس ما تزال جاذبة للطلاب؟

20/01/2026 0
د. إبراهيم بن محمود بابللي

استضافني زميلي إبراهيم الصهيل في ديوانية أسرته الكريمة عام 2009، وعرّفني على أكبر إخوته الذي كان قد تقاعد مؤخراً من عمله مديراً لمدرسة. ذكر لنا المدير المتقاعد وقتها أن: "أكبر تحدٍ يواجه التعليم هي أن المدرسة لم تعد جاذبة للطلاب، بل باعثة على الملل. كان الطلاب في الماضي يتطّلعون للمجيء للمدرسة ولقاء أصدقائهم، لأن خيارات التسلية في البيوت كانت مقصورة على اللعب في الحارات ومشاهدة التلفزيون، لمن كان لديهم. ولكن تغير الأمر وأصبح المنزل هو المكان المفضل للتسلية، حيث الألعاب الإلكترونية، والإنترنت، والقنوات الفضائية المتنوعة."

ما ذكره المدير الفاضل كان قبل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتنوّعها، وقبل انتشار الهواتف الذكية. فما حال الطلاب والمدرسة في زمننا هذا؟

وصل عدد المشاهدين لفيديو قصير على منصة تيك توك لمعلمة سابقة من أوريجون في الولايات المتحدة، تُسمي نفسها Emaroadkill إلى أربعة ملايين وسبعمائة ألف، تقول فيه (مترجم بشيء من التصرف): 

"أعتقد أنكم لا تعرفون ما يحدث في التعليم حالياً. وكيف يمكنكم معرفة ذلك طالما لا تعملون في التعليم، ولكنني أعتقد أنكم تحتاجون لمعرفة ما يحدث. الأطفال لا يتحملون الشعور بالملل إطلاقاً، فهم يعيشون على هواتفهم التي تُغذّيهم بتدفق مستمر من الدوبامين، من استيقاظهم في الصباح وحتى نومهم ليلاً. ولأنهم يعانون من نقص في الدوبامين في المدرسة، بسبب بعدهم عن هواتفهم، فإنهم يتصرفون مثل المدمنين، ويكونون حساسّين للغاية، تثيرهم أبسط الأشياء. 

وعندما تقف أمامهم مُحاولاً تعليمهم، ترى نظراتهم فارغة وليس لديهم القدرة على التركيز. وإذا لم يكن حديثك معهم منسّق بالطريقة التي يعمل بها الهاتف، أي تكون مُجمّعة في مقاطع قصيرة، وإذا لم تستخدم عناصر جاذبة مثل الرسومات والألوان الصارخة، فلن تستطيع لفت انتباههم فضلاً عن المحافظة عليه. الأطفال ينظرون إلى المعلّم بعيون مفتوحة لكنها لا تراه، ولديهم مستوى من اللامبالاة لم أرَ مثله في حياتي المهنية. العقوبات لا تُجدي نفعاً لأنهم لا يهتمون لها، ولا يبالون بنتائج الاختبارات ولا بالجامعة. إن وجود الطلاب معك – بالنسبة لهم – ما هو إلا مجرد ابتعاد قصير عن الإنترنت والهواتف، حيث حياتهم الحقيقية."

توضّح الأبحاث التي أجريت في عدد كبير من الدول عوامل كثيرة جعلت المدارس غير جذابة للطلاب، منها عوامل أكاديمية، واجتماعية، وعاطفية، وهيكلية، وتقنية، نقتطف بعضاً منها:

•يشعر كثير من الطلاب أن ما يتعلمونه ليس مهماً، أو مثيراً للاهتمام، أو ذا علاقة بحياتهم المستقبلية، أو سيكون له أثر إيجابيٌ عليها. كما أن الدروس النظرية والتلقين تقلل من مستوى التفاعل بشكل كبير.

•التعليم التقليدي مناسب لصغار السن بسبب النمو الإدراكي المتسارع لديهم، الذي يعُبّ المعلومات عبّاً، أما الطلاب الأكبر سناً فإنهم يجدون التعليم التقليدي رتيباً، لأنه غير مبني على الحوار. 

•توحيد المناهج وطرق التدريس والاختبارات يجعل المدارس مناسبة لبعض الطلاب وليس لكلّهم. 

•الصورة الذهنية للطلاب ولأولياء الأمور هي أن الحصول على درجات عالية أهم من التعلّم الفعلي. والتوتّر الناتج من التركيز على الأهمية القصوى للدرجات والاختبارات الفصلية والسنوية، ثم اختبارات قبول الجامعات. 

•التعلّم يتطلب بذل جهدٍ ومراجعةٍ واستذكارٍ، وجلدٍ في المثابرة، وهذا يراه بعض الطلاب محبطاً لأنهم تعودوا على الحصول على ما يرغبونه دون بذل جهدٍ يذكر. 

•التنمّر من أهم العوامل التي تجعل المدرسة غير جاذبة للطالب، بل يمكن أن تؤدي إلى "رفض المدرسة" (School refusal) بالكامل.

•الطلاب الذين لا يشعرون بالأمان في المدرسة قد يختارون البقاء في المنزل.

•شعور الطلاب أنهم لا يستطيعون تغيير ما لا يناسبهم، مع إجبارهم على قبوله. 

•شعور الطلاب بأن معلميهم لا يستمعون إليهم أو ليس لديهم وقتٌ كافٍ لهم. المعلّم الذي يهتم بالطلاب ويعاملهم باحترام ويتواصل معهم ويشعر بهم عنصرُ جذبٍ مهم، ولكن عندما يشعر الطلاب أن "معلمي ليس لديه وقت لي"، فإن علاقتهم بالمدرسة تضعف.

•الطلاب الذين يواجهون صعوباتٍ في السنين الأولى سيعانون أكثر في السنين اللاحقة، لأنهم سيجدون الفجوة بينهم وبين أقرانهم كبيرة جداً، لدرجة أن المدرسة تصبح مصدراً للإحراج والفشل المستمر.

•التحوّل من التعلّم باللعب إلى التعلّم على الكراسي يتسبب في زيادة الملل. 

•الاستيقاظ المبكر، أو النفور من التغذية المدرسية، أو الجلوس طول اليوم الدراسي.

•عدم توفر التقنيات الرقمية المستخدمة في التعليم، أو ضعفها، مقارنة بما هو متاح للطلاب في منازلهم.

•منصات المحتوى الرقمي أكثر جاذبية للطلاب من التعليم التقليدي في الفصول الدراسية.

هذه كلها عوامل مشتركة بين طلاب المدارس في العالم، وهناك عوامل أخرى خاصة للطلاب في المناطق التي تواجه تحديات سياسية أو اقتصادية، لن نتطرق لها.

إن ما وجدناه من مراجعة عدد كبير من الأبحاث والمقالات والدراسات هو أن التحدي الأخطر الذي يواجه المنظومة التعليمية هو ما ذكره المدير المتقاعد والمدرِّسة السابقة: تواجه المدرسة تحدٍ واضحٍ في إيصال المعلومة للطلاب الذين تغير نمطُ حصولهم على المعلومة جذرياً بسبب التحول الرقمي والمحتوى الرقمي، وأثَرِ ذلك على قدرة الطلاب على التركيز. العوامل الأخرى مهمة، ولكنها – بإجماع يكاد يكون شاملاً – تأتي في مراتب لاحقة لتحدي تشتت التركيز.

إن التغيّر المتسارع والتطور في الواقع الرقمي الذي يعيشه الطلاب، بل الجميع، يتطلب إعادة النظر في مفهوم إيصال المعلومة للطلاب، وفي كيفية التواصل بين المعلّم والمتعلّم، وفي دور المعلّم، وفي بيئة التعليم. وهذا هو أهم دورٍ تقوم به أبحاث سياسات التعليم. 

ونختم هذه السلسة من المقالات بالتأكيد على أهمية وجود مراكز أبحاث متخصصة لسياسات التعليم، في المنظومات التشريعية والتنظيمية والتنفيذية، والمؤسسات الأكاديمية، والجهات غير الربحية، فالعبء ثقيل، والتحديات تزداد، ولا يسعنا التأخر عن الركب. والله من وراء القصد. 

 
 

خاص_الفابيتا