في زمن يتسارع فيها التغير الاقتصادي والتقني، بات من الضروري إعادة تعريف مفهوم الوظيفة الجيدة، فالكثيرون يختزلون جودة الوظيفة في الراتب فقط، متجاهلين عنصر الاستدامة المهنية، وهو العنصر الأكثر حساسية في سوق عمل متقلب لا يرحم من يفتقر للمرونة أو العمق المهاري، هنا تحديدًا تظهر إشكالية الوظائف ذات الرواتب الجيدة، لكنها بلا مستقبل حقيقي.
هذه الوظائف غالبًا ما تنشأ في بيئات مؤقتة: طفرة إنفاق، توسع غير مدروس، مشروع ضخم بلا نموذج استدامة، أو قطاع يعيش ذروة مؤقتة قبل أن يعيد السوق تسعيره، في مثل هذه الحالات، يكون الراتب المرتفع بمثابة تعويض صامت عن هشاشة الوظيفة، وضمان مؤقت مقابل غياب الأمان الوظيفي طويل الأجل.
المشكلة الأعمق أن شاغلي هذه الوظائف يعلقون في منطقة رمادية مهنيًا؛ فهم يتقاضون دخلًا يصعب تعويضه في حال الانتقال، لكنهم في الوقت ذاته لا يراكمون مهارات نوعية أو خبرات استراتيجية، ومع مرور الوقت، يتحول الراتب من ميزة إلى قيد، ومن حافز إلى فخ، حيث يصبح الانتقال إلى وظيفة أكثر استدامة مكلفًا نفسيًا وماديًا.
اقتصاديًا، الوظائف التي لا تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد سواء عبر إنتاج، أو ابتكار، أو بناء معرفة، تكون أول ضحايا التصحيح الاقتصادي، وعندما تبدأ الشركات في ترشيد التكاليف، لا يُنظر إلى الراتب المرتفع كميزة، بل كعبء حينها، لا يُسأل الموظف عن جهده، بل عن جدواه.
في المقابل، نجد وظائف أقل بريقًا في بداياتها، لكنها تستثمر في الإنسان قبل العائد، وظائف تبني مهارات تحليلية، أو تقنية، أو قيادية، وتمنح صاحبها قدرة على الانتقال بين القطاعات والتكيف مع التحولات، هذه الوظائف قد لا تغري في السنوات الأولى، لكنها تضمن مسارًا مهنيًا أطول وأكثر أمانًا.
الاختيار المهني الذكي لا يقوم على سؤال: "كم سأحصل هذا العام؟" بل على سؤال أكثر عمقًا: "من سأكون بعد عشر سنوات؟" هل سأظل مطلوبًا في السوق؟ هل أمتلك مهارات نادرة؟ هل أستطيع إعادة تسويق نفسي مهنيًا؟
الخلاصة، أن الراتب المرتفع دون مستقبل مهني يشبه عائدًا عاليًا على أصل عالي المخاطر، قد يبدو مغريًا، لكنه لا يصلح كاستراتيجية طويلة الأجل، أما الاستثمار الحقيقي، فهو في وظيفة تبنيك، حتى وإن تأخر العائد، فالأسواق تتغير، والرواتب تتقلب، لكن القيمة المهنية الحقيقية هي العملة الأكثر ثباتًا.
نقلا عن جريدة الرياض

