لم يعد الاقتصاد الرقمي في المملكة العربية السعودية فكرة مستقبلية أو شعارًا تنمويًا، بل أصبح واقعًا رقميًا يمكن قياسه بالأرقام وتتبع أثره في تفاصيل الناتج المحلي، وسلوك الشركات، وحتى في أنماط التجارة والعمل، تقرير إحصاءات الاقتصاد الرقمي لعام 2024 الصادر عن الهيئة العامة للإحصاء لا يقدم مجرد بيانات، بل يروي قصة تحوّل اقتصادي هادئ، متدرّج، لكنه عميق الأثر. القصة تبدأ من الرقم الأبرز: 16% من الناتج المحلي الإجمالي، هكذا ببساطة أصبح الاقتصاد الرقمي يشكّل سدس الاقتصاد السعودي تقريبًا في عام 2024، مرتفعًا من 15.6% في العام السابق، قد تبدو الزيادة البالغة 0.4 نقطة مئوية متواضعة للوهلة الأولى، لكنها في لغة الاقتصاد تعني توسعًا حقيقيًا في أنشطة قائمة بالفعل، لا قفزة مؤقتة أو نموًا مدفوعًا بعامل استثنائي، إنها إشارة إلى أن الرقمنة لم تعد مشروع تحول، بل نمط إنتاج مستقر يتغلغل في القطاعات المختلفة. ما يلفت في منهجية التقرير أنه لا يحصر الاقتصاد الرقمي في شركات التقنية فقط، بل ينظر إليه بوصفه منظومة متعددة الطبقات، فهناك اقتصاد رقمي أساسي، يضم الأنشطة المنتجة لتقنية المعلومات والاتصالات، واقتصاد رقمي ضيق يعتمد مباشرة على المدخلات الرقمية، ثم اقتصاد رقمي واسع تم تحسين منتجاته وخدماته بشكل كبير عبر التقنية، هذه المقاربة تكشف حقيقة جوهرية: القيمة الأكبر لا تتولد فقط من بيع التقنية، بل من استخدامها. ولهذا ليس من المستغرب أن يستحوذ المستوى الواسع وحده على 10.9% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 2.7% للمستوى الأساسي و2.4% للمستوى الضيق، الاقتصاد الرقمي، بهذا المعنى، لم يعد قطاعًا قائمًا بذاته، بل لغة جديدة تعمل بها القطاعات التقليدية.
وحين ننتقل إلى الأرقام التشغيلية، تتضح ملامح هذه اللغة الاقتصادية الجديدة، فقد بلغت الإيرادات التشغيلية لقطاع تقنية المعلومات والاتصالات 249.8 مليار ريال في عام 2024، وهو رقم يعكس ضخامة السوق وعمق الطلب. الاتصالات السلكية واللاسلكية استحوذت على النصيب الأكبر بإيرادات تجاوزت 133 مليار ريال، بينما جاءت أنشطة البرمجة الحاسوبية في المرتبة التالية، هذه التركيبة توضح أن البنية التحتية الرقمية لا تزال هي العمود الفقري، لكنها لم تعد وحدها في المشهد، إذ بدأت البرمجيات والخدمات الرقمية في تعزيز حضورها تدريجيًا.
في المقابل، بلغت النفقات التشغيلية للقطاع 122.2 مليار ريال، ما يعني أن القطاع يعمل بهوامش مريحة نسبيًا مقارنة بقطاعات أخرى كثيفة رأس المال، ويكتسب هذا المؤشر أهمية إضافية عندما ننظر إلى جانب التوظيف، حيث وصلت تعويضات المشتغلين إلى 29.2 مليار ريال، هذه الأرقام لا تعكس فقط عدد الوظائف، بل نوعيتها، إذ إن قطاع التقنية يتميز بمتوسط أجور أعلى ومهارات أكثر تخصصًا، ما يجعله عنصرًا مؤثرًا في تحسين جودة سوق العمل.
أما في التجارة الخارجية، فتبدو التحولات أكثر وضوحًا، فقد سجلت واردات سلع تقنية المعلومات والاتصالات 67.9 مليار ريال في عام 2024، بنمو سنوي تجاوز 23% هذا الارتفاع يعكس الطلب المتزايد على الأجهزة والبنية التحتية، خصوصًا معدات الاتصالات، لكن اللافت أكثر هو جانب الصادرات، إذ قفزت الصادرات والسلع المعاد تصديرها إلى 25.8 مليار ريال، بنمو سنوي بلغ 118% هذه القفزة لا يمكن قراءتها بمعزل عن موقع المملكة المتنامي كمركز لوجستي وإقليمي لإعادة التصدير، إضافة إلى تحسن قدراتها في التعامل مع سلاسل الإمداد التقنية. وفي خلفية هذه الأرقام، تنمو التجارة الإلكترونية بوتيرة ثابتة، فقد ارتفع عدد سجلات التجارة الإلكترونية إلى أكثر من 40 ألف سجل خلال عام واحد، مع توسع ملحوظ في أنشطة تطوير التطبيقات، والحوسبة السحابية، وحلول التقنية المالية، هذا النمو لا يعكس فقط زيادة عدد الشركات، بل تنوع نماذج الأعمال الرقمية، وانتقال السوق من مرحلة التجربة إلى مرحلة التخصص والابتكار. ما يقوله تقرير الاقتصاد الرقمي لعام 2024، بين السطور قبل الأرقام، هو أن المملكة دخلت مرحلة جديدة من التحول الاقتصادي، لم تعد الرقمنة مرتبطة بمبادرات منفصلة أو تجارب محدودة، بل أصبحت جزءًا من البنية العميقة للاقتصاد، القيمة لم تعد تُقاس فقط بما يُنتَج، بل بكيفية إنتاجه، وبالقدرة على استخدام التقنية لرفع الكفاءة، وتوسيع الأسواق، وتحسين جودة الخدمات. الاقتصاد الرقمي في السعودية لا ينمو بسرعة صاخبة، بل بثبات اقتصادي محسوب، وهذا النوع من النمو، في العادة، هو الأكثر استدامة، فكل نقطة مئوية إضافية في حصة الاقتصاد الرقمي تعني تحولًا أعمق في هيكل الاقتصاد، وقدرة أكبر على مواجهة الصدمات، وفرصًا أوسع لبناء اقتصاد تنافسي قائم على المعرفة والتقنية، لا على الموارد فقط.
نقلا عن جريدة الرياض


