هل التعليم بالتلقين ما يزال مناسباً لهذا الزمان؟

18/01/2026 0
د. إبراهيم بن محمود بابللي

كان عنوان اللقاء التسعين لندوة "قهوة معرفة" الذي استضافته الأستاذة نادية العمودي يوم الأربعاء 17 سبتمبر 2025: "من الفكرة إلى الأثر: إعادة تشكيل التعليم"، وكان النقاش عن ضرورة إعادة هيكلة التعليم، بدءاً من مرحلة مبكرة في الصفوف الابتدائية، ليكون مبنياً على الإشراف والتوجيه لطلابٍ يتعلمون تبعاً لقدراتهم الفردية ومهاراتهم واستيعابهم، بدلاً من التعليم التقليدي الذي يُلقّنُ فيه الطلاب كلهم معلومات موحدة، في جدول زمني موحّد، تبعاً لمناهج موحّدة، ثم يُقيّمون في اختبارات موحّدة. 

وإن المتابع للحوار عن التعليم في المملكة العربية السعودية في منصات التواصل يجد طرحاً – تزداد قوته ويعلو صوتُه – يدعو لتعديلٍ جذريّ لأسلوب التعليم في المدارس، من التعليم التقليدي (التعليم بالتلقين) إلى التعليم الفردي (التعليم المصمّم ليناسب كل طالبٍ على حدة). ولقد ولّد الحوار بين أسلوبَيْ التعليم التقليدي والتعليم الفردي أدبياتٍ بحثية ودراساتٍ لسياسات التعليم وتجاربَ عملية واسعة، نلخص بعضها في هذه المقالة.

يُبنى التعليم التقليدي على مبدأ توفير التعليم لأكبر عدد ممكن من الطلاب، باستخدام مناهج موحدة، تُدَرّس للصف كلِّه، ويكون تقييم الطلاب باستخدام الاختبارات المعيارية في نهاية الفصل أو السنة. وتُركِّز أبحاث سياسات التعليم على كفاءة هذا الأسلوب التعليمي، وعدالته وفعاليته في تقديم المعرفة والمهارات الأساسية لكل الطلاب. أما التعليم الفردي فيُبنى على التدريب والإرشاد لكل طالب على حدة، يتعلّم تبعاً لقدراته واستعداده. هذا الأسلوب التعليمي يتطلب دعماً مباشراً وإشرافاً من المعلّم لكل طالب، ودعماً اجتماعياً وعاطفياً، وتشجيعاً على المشاركة في مشاريع ومهام يعمل عليها الطلاب سوياً. تُركِّز أبحاث سياسات التعليم في هذا الأسلوب على فعاليته في إتاحة التعلّم للجميع وعدالته، وعلى تبعاته على هيكل التعليم وتأهيل المعلّم، وعلى نجاعته في رفع كفاءة التعليم، خاصة للتعليم العام.

وتُناقَشُ الموضوعات التالية عادة عند دراسة هذين الأسلوبين:

•الفعالية والنتائج: تقارن الدراساتُ درجاتِ الاختبارات ومعدلات التخرج ومهارات التفكير العليا، ويُطرحُ السؤال التالي: أيهما أهم: تحقيق الحد الأدنى من التأهيل والتعليم لأكبر عدد ممكن من الطلاب، أم إتاحة الفرصة لكل طالب على حدة ليطور مهارات مخصصة له تختلف عن أقرانه، فترتفع كفاءته فيها؟ 

•الفرصة وعدالة التوزيع: هل يزيد التحوّل نحو التعليم الفردي من التحديات أم يقلصها؟ وما التحديات السياقية – في منظومة التعليم المحلية – التي يستهدف إعادة هيكلة أسلوب التعليم حلها؟

•القدرة على التوسع والموارد: هذا الموضوع تابعٌ لموضوع الفرصة وعدالة التوزيع، ولكن لأهميته ينظر إليه بشكل مستقل عادة. التعليم الفردي يتطلب موارد أكثر بكثير من التعليم التقليدي، مثل (خفض نسبة الطلاب إلى المعلمين خفضاً كبيراً، واستخدام الإرشاد النفسي والاجتماعي والعاطفي بالتوازي مع الإرشاد الأكاديمي، وما يتطلب ذلك من استثمار وتأهيل). فهل من المنطقي تطبيق تجربة التعليم الفردي على المدارس كلها؟ أم على مدارس مخصوصة؟ إن كان الجواب هو الثاني، فما معايير اختيار هذه المدارس، وما آلية دراسة النتائج، تمهيداً لتطبيقها تطبيقاً شاملاً؟

•جدل المصطلحات: هناك من يدفع بأن التعليم الفردي – في حقيقته – هو تحويرٌ لمصطلح "تعليم الموهوبين"، ويسأل: أليس من الأنسب البناء على ما أُنجِزَ في تعليم الموهوبين وتوسعته ليشمل مناحٍ أخرى في القدرات والمهارات، وأساليب جديدة متطورة، بدلاً من محاولة تطبيق تجارب جديدة قد لا يثبت جدواها عند التطبيق تطبيقاً شاملاً؟

•جاهزية المعلمين والبنية التحتية: إن جُلّ من يناقش موضوع التعليم والحاجة لتطويره – في العالم كله – يلقي اللوم على المعلمين، أو على المناهج، في تأخر أداء منظومة التعليم، وقليل منهم من يحمّل البنية التحتية اللوم، أو بعضاً منه. فالسؤال هو: هل المعلّم جاهز لهذا التحوّل الجوهري في أسلوب التعليم؟ وماذا عن المناهج والبنية التحتية؟

•آلية التقييم: الاختبارات المعيارية مناسبة للتعليم التقليدي، فكيف سيكون التقييم للتعليم الفردي، ومن سيقوم به، وما هي معاييره؟ 

لقد سبقتنا الدول الصناعية بتجربة هذا النوع من التعليم، ولكن لا يوجد اتفاقٌ أو إجماعٌ على النتائج. فلقد نادت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بتحويل البيئة التعليمية لتكون مصممة لتناسب الطلاب فردياً من عام 2010، ولكن نتائج اختبارات PISA أظهرت أن نتائج التعليم التقليدي أفضل في بعض السياقات. والشيء نفسه أظهرته نتائج الدراسات التي قامت بها مؤسسة راند (RAND Corporation) عن التعليم الفردي. وإن القراءة المتأنية للأبحاث المحكّمة المنشورة في السنوات الخمس الماضية تشير إلى نجاح أوضح في تطبيق التعليم الفردي (الإرشاد والتوجيه) في المرحلة الجامعية، ولا توجد مثل هذه النتائج للتعليم العام، خاصة في مراحله الأولية. 

إنك ستجد – أيها القارئ الكريم – في مقالاتي السابقة إشارة واضحة إلى نمط متكرر في مبادرات تطوير التعليم: تُطرحُ فكرةٌ أو اقتراحٌ أو نظريةٌ في إحدى الدول الصناعية، ثم تُطبّق وتُجرّب، فتُدْرَس، وتُعدّل بعدها وتُطوّر، أو يُعْدَل عنها كُلّية. ثم تصل هذه الفكرة إلى منظومة التعليم في دول أخرى تعتمد في تطوير تعليمها على الآخر، فتعيد تجربة ما سبقت تجربته، بدلاً من الانطلاق من حيث انتهى الآخرون.

إن نتائج أبحاث سياسات التعليم التي درَسَت خيارَيْ التعليم المشار إليهما أعلاه ترفض خيار "إما هذا وإما ذاك"، لأن التجربة أثبتت بوضوح أن التعليم التقليدي أنسب في بعض السياقات، وكذلك التعليم الفردي في سياقات أخرى. الخلاصة التي وصلت لها الأغلبية هي أن التوازن والتكامل بين الأسلوبين هو الأمثل، فنجد في الأبحاث المنشورة بعض المقترحات لدمج الأسلوبين، مثل:

•نموذج "السقالات التعليمية" (Scaffolding Model): تعليم تقليدي يوفّر المعرفة الأساسية في المراحل الأولية، يتلوها انتقال تدريجي للتعليم الفردي، مبني على التعلم والاستكشاف الفردي تحت إشراف معلّم مؤهل.

•نموذج "الصفوف المقلوبة" (Flipped Classrooms): تعليم تقليدي عبر الفيديو، يتبعه وقت مخصص للتعليم الفردي والإرشاد. 

•نموذج "التعلم الاجتماعي العاطفي" (Social-Emotional Learning): اعتماد الإرشاد الفردي للتعلم الاجتماعي العاطفي للطلاب داخل المدارس التقليدية.

•نموذج "تحرير وقت المعلّم" (Freeing up Teacher’s Time): استخدام تقنيات التعليم (EdTech) لأتمتة بعض مكونات التعليم بهدف تحرير وقت المعلّم لتمكينه من القيام بدوره الإرشادي، مع التأكيد على أن هذا يستلزم إعطاء المعلّمين حرية أكبر في دورهم التعليمي والإرشادي، وهذا غير متحقق حالياً في ظل المناهج الموحدة والاختبارات المركزية. 

إن قرار التحول إلى التعليم الفردي (Personalized Education) له تبعات مؤثرة وكبيرة، ومكلّفة، ولكن هذا لا يعني أن هذا التحول غير مناسب أو غير مطلوب، إن ثبتت منفعته، فما العمل؟ 

نحسب أن الحوار عن إعادة تشكيل التعليم له أهمية تداني أهمية الحوار عن الذكاء الاصطناعي في التعليم، أو تكاد. وإن تقنيات التعليم المبنية على التحول الرقمي، خاصة الذكاء الاصطناعي، لها أهمية كبيرة في نجاح التعليم الفردي من عدمه، فيحسن بنا دراسة الأمرين معاً، وصياغة سياسات واضحة ترشد القرار في هذين الأمرين المهمّين. ونعتقد أن آلية "البيئة التجريبية للسياسات" (Policy Sandbox) التي تطرقنا لها في مقالة سابقة، هي الأفضل للقيام بأبحاث وطنية – بأيدٍ وعقولٍ وطنية – للوصول إلى أنسب إطار تنظيمي لتطوير التعليم في المملكة العربية السعودية، في هذين الأمرين الملِحَّيْن والمُهِمَّيْن.

 

خاص_الفابيتا