ما تأثيرات الحرب الحالية على الاقتصاد وأسواق المال؟

04/03/2026 0
محمد العنقري

تركز الأخبار بشكل أساسي على العمليات العسكرية التي تجري في المنطقة بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من الطرف الآخر، إضافة إلى تصريحات السياسيين لمحاولة رصد الموقف وأين يتجه التصعيد الحالي في هده الحرب وبالكاد تمرر بعض الأخبار الاقتصادية أو ينال الاهتمام في أسواق المال أو آثار هذه الحرب على الاقتصاد وحركة الاستثمار وتسعير الأصول في الأسواق، فالأنظار لعموم الناس تنصب على آثار الضربات التي تنفذ بحرا وجوا وبرا وما مدى المخاوف من اتساع رقعة الصراع الحالي.

فآثار وتداعيات هذه الحرب ترصد من قبل الدول والمؤسسات المالية والبنوك العالمية وينشر الكثير من التوقعات عنها إلا أنها لا تحظى بالتغطية الواسعة وهو أمر طبيعي في بداية العمليات العسكرية ولكن عند النظر لما هو متوقع على المدى القصير من تداعيات اقتصادية واستثمارية للحرب فإن أول وأهم الآثار هو ارتفاع أسعار النفط والغاز بما أن المعارك تدور في منطقة تصدر 20 في المائة من استهلاك النفط العالمي ونحو 13 في المائة أو أكثر من الغاز المسال الذي ارتفع بنسبة 45 في المائة في أوروبا. كما أن 61 في المائة من السفن التي تعبر مضيق هرمز مخصصة لشحن النفط والغاز، مما أدى لارتفاع سعر ناقلات النفط العملاقة إلى 400 ألف دولار في اليوم بينما ارتفعت أسعار ناقلات الغاز من حوض المتوسط إلى 200 ألف دولار يوميا.

فارتفاع تكاليف الطاقة وشحنها سيؤدي حسب التوقعات واستطلاعات قامت بها بلومبيرغ إلى ارتفاع التضخم بنحو 0,3 إلى 0,9 في المائة وهو أمر ممكن أن يظهر أثره لو استمرت الحرب عدة أسابيع، ولذلك فإن الأسواق في أوروبا وأمريكا بدأت تسعر أثر ذلك على نتائج الشركات التي ترتفع عليها التكلفة فوريا بخفض أسعار أسهمها. فتهديدات إيران بإقفال المضيق تعد مهددًا كبيرًا للاقتصاد العالمي برفع أسعار الطاقة وسيكون الأثر بالغا في دول شرق آسيا وأوروبا وهو ما يعني أنه لن يسمح بأي معوقات لحركة السفن التي تنقل النفط والغاز وغيرها من السلع عبر مضيق هرمز، فالعالم كله معني بأمن البحار والمضائق المائية ولذلك فإن تركيز التوقعات من قبل البنوك والمؤسسات المالية والإعلامية هو على المدى القصير، لأنهم بذات الوقت لا يعتقدون أن مدة هذه الحرب ستطول لأكثر من أسابيع قليلة.

أما في المنطقة فإن دول الخليج العربي لديها القدرة لتحمل الآثار القصيرة الأمد بسهولة، بل حتى المتوسطة المدى فلديها احتياطيات مالية كبيرة ومستوى ديون قليل جدا قياسا بحجم نواتجها الإجمالية ومع وجود منافذ بحرية على بحر العرب والبحر الأحمر في عمان والسعودية فإن إمدادات السلع الرئيسة لن تنخفض بينما لديها مخزونات كافية لتغطية احتياجات أسواقها لعدة شهور دون الحاجة للاستيراد لكن مع وجود منافذ برية وبحرية بعيدة عن منطقة العمليات العسكرية فإن القلق من هذا الجانب معدوم تقريبا.

أما أسواق المال بالمنطقة فإنها سعرت أثر الحرب بانخفاضات كبيرة بالأسعار لكن استثمار الفرص في الأزمات يعود بالأساس لقدرة المستثمر وخبرته على تقييم الفرص وفي السوق السعودي تبرز فرص كبيرة جدا للمستثمرين متوسطي وطويلي الأمد، فالحديث ليس عن المضاربات، بل لمن يبحثون عن مراكز في شركات وصلت لأسعار جاذبة من حيث التوزيعات ومكرر الربح الحالي والمستقبلي ونوعية النشاط الذي تعمل به وأهميته، فالقياس دائما لنظرة استثمارية تنظر للمستقبل، فعملية أن تعتقد بأنك كل يوم ستحصل على سعر أقل ليست مضمونة، فهذه الحرب تعد عملياتها خاصة وليست واسعة، أي لا يوجد قوات برية بأعداد ضخمة هدفها فتح جبهات واسعة وميدانية، لأن الأهداف معلنة ومحددة تتركز بشكل أساسي حول البرنامج النووي والصاروخي وتحقيقها يعني نهاية المعارك وأهم الإشارات هو القبول بالعودة للتفاوض أو انحسار كبير في الرد الإيراني يؤدي لانخفاض تأثيراته الاقتصادية الدولية، فجميع هذه الاحتمالات نسبة تحققها كبيرة جدا حاليا.

الأزمات تولد الفرص وهذه الحرب قد تكون الأخيرة بالمنطقة ولابد بعدها من العودة للاستقرار والسلم والتنمية الاقتصادية بالشرق الأوسط ورغم كل ما يشاع من مخاوف لاحتمالات إطالة أمد الحرب أو توسع الصراع إلا أن ذلك يبقى ضمن المخاوف المشروعة لكن وقوعه يبدو صعبا جدا فلا أحد لديه الرغبة أو الاستعداد لتحمل تكلفة كبيرة من طرفي الصراع ولذلك يبقى قرب نهايتها هو الاحتمال الأكبر على الأقل حتى الوقت الحالي مع ضرورة المتابعة المستمرة للتطورات واتجاهاتها من قبل المستثمر لاتخاذ القرار المناسب.

 

نقلا عن الجزيرة