ما زال العالم يشهد تداعيات قرار المحكمة العليا الأميركية الذي أبطل رسوم ترمب الجمركية، فبعد أن هددت مئات الشركات الأميركية برفع قضايا لاسترداد ما دفعته، بدأت العديد من الدول في النظر في خياراتها بعد أن أصبحت هذه الرسوم غير قانونية ولا يمكن للرئيس الأميركي فرضها على أي دولة. ومع أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب استبق هذا الأمر بفرض رسوم عامة مؤقتة بنسبة 10 في المائة ومن ثم 15 في المائة، وحتى مع تهديده وتحذيره للدول التي قد تحاول «استغلال» قرار المحكمة العليا لإعادة فتح الاتفاقيات أو التراجع عن الالتزامات، فإن العديد من الدول بدأت بالفعل بإعادة النظر في الوضع القائم بناء على هذه المستجدات، فما خيارات الدول أمام الرسوم الأميركية؟
يمكن تلخيص خيارات الدول في ثلاثة مسارات رئيسة؛ الأول إعادة التفاوض لتحسين الشروط بعد معرفة محدودية القدرة الأميركية على فرض رسوم جمركية دائمة. ويقوم هذا المسار على استغلال حقيقة أن أقوى أداة ضغط رئاسية فورية، وهي قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA) الذي استخدمه ترمب مسبقاً، أصبحت لاغية، وهو ما يمنح الشركاء التجاريين قدرة أكبر على إعادة فتح بعض البنود أو إبطاء تنفيذ التزامات قدمت تحت ضغط التعريفات السابقة. والتحليلات تشير إلى أن الحكم قد يخلق مرونة تفاوضية أكبر لبعض الدول بما يتيح لها السعي إلى تحسين النفاذ إلى السوق الأميركية أو تخفيض الرسوم المتفق عليها سابقاً.
أبرز الدول التي قد تتخذ هذا المسار هي الهند، والتي أعلنت أنها تدرس التطورات في وقت كانت تستعد فيه لاستكمال محادثات تجارية مع الأميركيين، ويمكن أن يشكل الحكم فرصة للهند لإعادة تقييم ما قدمته من تنازلات في ظل التعريفات السابقة، ومحاولة الحصول على شروط أفضل، خاصة أن التعريفات المؤقتة الحالية محدودة بـ 150 يوماً، ولكن هذا المسار محفوف بالمخاطر، لأن أدوات الإدارة الأميركية الجمركية لم تنتهِ بعد.
المسار الثاني هو تثبيت الاتفاقيات القائمة والمطالبة بوضوح قانوني، وفي هذا المسار تختار الدول عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع الإدارة الأميركية أو إعادة فتح شاملة للملفات، بل التركيز على تثبيت ما اتفق عليه والمطالبة بضمانات قانونية أوضح في ظل الإطار الجديد، ويقوم هذا المسار على مبدأ الالتزام بالاتفاق وأن أي تغيير في المعاملة الجمركية يجب ألا يتجاوز السقف المتفق عليه.
الاتحاد الأوروبي أقرب إلى هذا المسار من غيره؛ فقد طالب مسؤولون أوروبيون بوضوح قانوني كامل، وأشاروا إلى أن الاتفاقيات القائمة يجب احترامها. كما جرى التلويح بتعليق أو تأجيل بعض خطوات التصديق البرلماني إلى حين اتضاح الصورة. وأوروبا هنا لا تسعى بالضرورة إلى إعادة تفاوض جذرية، بل إلى تثبيت الالتزامات ضمن حدود واضحة، خصوصاً فيما يتعلق بالـ 15 في المائة، وهي بذلك تمارس ضغطاً هادئاً وتحتفظ بأدوات للرد دون تصعيد.
المسار الأخير هو إدارة الوقت وانتظار ما بعد نافذة الـ 150 يوماً، خاصة أن الكونغرس قد لا يوافق على تمديد هذه المدة، والدول التي تتبع هذا المسار تدرك أن حالة عدم اليقين قد تتغير مع نهاية الفترة المؤقتة. وأبرز من اتبع هذا المسار إندونيسيا التي أكدت رسمياً أن الاتفاق مع الولايات المتحدة مستمر وفق الآليات المتفق عليها، ولكنها كذلك لم تغلق الباب أمام إعادة التقييم في ضوء التطورات، ويعني ذلك عملياً استمرار التنفيذ مع مراقبة المشهد القانوني والسياسي في واشنطن، وتأجيل أي إعادة تفاوض جوهرية إلى ما بعد انتهاء الفترة المذكورة.
وجميع هذه الدول تدرك أن قرار المحكمة العليا لم ينهِ سياسة التعريفات الأميركية، ولكنه أعاد رسم حدودها فقط، بمنع الرئيس من استخدام أداة واحدة، مع احتمالية استخدام أدوات قانونية أخرى لنفس السياسة، وأمام الدول الآن نافذة ضيقة بين حكم قضائي قيّد أداة ضغط رئيسة، وإدارة لا تزال ترى في الرسوم الجمركية أداة مركزية في استراتيجيتها، وبين إعادة التفاوض وتثبيت الاتفاقيات وإدارة الوقت، واختارت كل دولة المسار الذي يتناسب مع موقعها التفاوضي وحساسيتها تجاه المخاطر، ولكن الثابت في الأمر أن مرحلة ما بعد حكم المحكمة العليا ليست عودة إلى عصر ما قبل التعريفات، بل هي انتقال إلى مرحلة جديدة أكثر تعقيداً.
نقلا عن الشرق الأوسط


