هناك إجماع عالمي على أن التعليمَ في سن الطفولة المبكرة أحد أهم الاستثمارات في مستقبل الطفل. وتُعرَّف الطفولة المبكرة عالمياً بأنها من الميلاد وحتى سن الثامنة، وإن كان التركيز الأكبر ينصب عادةً على السنوات التي تسبق دخول الطفل المدرسة الابتدائية. وتؤكد الأبحاث، بما في ذلك السلسلة المنشورة حول هذا الموضوع في مجلة لانسِت الطبية المشهورة (The Lancet)، أن أول ألف يوم (حتى سن الثالثة) هي الفترة الأكثر أهمية للنموّ العقلي للطفل، إذ يصل حجم دماغ الطفل في سنّ الثالثة إلى قرابة 80% من حجمه عند البالغين، وهذا يتطلب الرعاية الحانية، والاستجابة التفاعلية، والتحفيز الحسي للصغير. ثم يأتي سنّ 3 إلى 5 سنوات، وهو ما يُعرّف عادة بسن الطفولة المبكرة، التي يُجمِعُ الخبراء على أهمّية توفير – ما اصطلح على تسميته – “التعلم باللعب” خلالها، لأنها أفضل ما يجهّز الطفل للدراسة والتحصيل الجيدين.
لكن الإجماع يتوقف هنا، إذ أثبتت الأبحاث أن قضاء الطفل وقتاً طويلاً في المدرسة أثناء الفترة العُمُريّة من سن 3 إلى 5 سنوات ليس الخيار الأفضل بالضرورة، لأن تأثير البيئة المنزلية، ومشاركة الأسرة في تعليم الطفل، لهما نتائج أفضل لنمو الطفل العقلي والإدراكي والعاطفي والاجتماعي على المدى الطويل. ونُذكِّر أن التعليم المقصود في هذه المرحلة هو التعليم باللعب.
ولقد أظهرت الأبحاث التي أجريت على التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة عدداً من الأمور المهمة، نذكر بعضاً منها:
- • تأثير الوالدين والأسرة على نمو الطفل العقلي وتعلمه أكثر إيجابية من اقتصار عملية التعليم على المدارس في مرحلة الطفولة المبكرة، وهذا يستلزم أن تكون البيئة المنزلية عالية الجودة، وإلا فإن المدارس تصبح أولوية للأطفال الذين يعيشون في بيئة سلبية.
- • الحل الأمثل لتوفير أفضل بيئة تعليمية للطفولة المبكرة هي التكامل بين برامج الطفولة المبكرة الفعالة في المدارس وبين البيئة المنزلية المُمَكِّنة والداعمة للطفل. وتتضاءل الفوائد المتوقعة للأطفال عندما يكون تعليم الطفولة المبكرة في المدارس حصرياً.
- • تعليم الطفولة المبكرة في المدارس له تأثيرات إيجابية قصيرة المدى على اللغة، والقراءة والكتابة، والرياضيات، والنمو الاجتماعي والعاطفي، لكن هذه التأثيرات الإيجابية تتلاشى تدريجياً عند انتقال الطفل للمدرسة الابتدائية، فيصبح الطفل وكأنه لم يلتحق بالدراسة في برامج الطفولة المبكرة، خاصة إذا كانت المدرسة الابتدائية ذات جودة منخفضة أو متوسطة.
- • الدوام الكامل لمدارس الطفولة المبكرة ليس أفضل من الدوام الجزئي الذي لا يزيد عن ساعتين أو ثلاث في اليوم، بل له تأثيرات سلبية، والأهم للطفل هو اللعب والتعلّم الجماعي لا عدد الساعات.
تحدثنا أعلاه عن تعليم الطفولة المبكرة، يليها السنوات الثلاث الأولى في مرحلة الدراسة الابتدائية، وهي غاية في الأهمية لأنها تعزز تعلّم الطفل عندما تكون ذات جودة عالية، فينبغي النظر إلى تعليم الأطفال نظرة شاملة تبدأ من مرحلة الطفولة المبكرة في عمر 3 سنوات وتمتد إلى الصف الثالث الابتدائي، لا أن ينظر إلى الدراسة الابتدائية على أنها مرحلة منفصلة عن مرحلة رياض الأطفال. وهذا ما نصّ عليه الدليل التنظيمي للوزارة الصادر بقرار مجلس الوزراء الموقّر رقم ( 511 ) وتاريخ 2-9-1440 هـ :"إن الهدف العام من عمل الإدارة
العامة للطفولة المبكرة التابعة لوكالة التعليم العام يرتكز على العمل على توفير خدمات تعليمية مميزة للأطفال (من سن 3 وحتى الصف الثالث الابتدائي)، ومتابعة أداء مرحلة الطفولة المبكرة وفقاً للمؤشرات المعتمدة لتهيئة الطلبة للالتحاق بالتعليم الأساسي".
إن نتائج الأبحاث التي أشرنا إليها أعلاه تُظهِرُ الحاجة لإعادة النظر في السياسة التعليمية للطفولة المبكرة وحتى سن الثامنة. ويمكن النظر في العناصر التالية للأخذ بها في الاعتبار:
- • تضمين تعزيز مشاركة الأسرة في سياسة التعليم لمرحلة الطفولة المبكرة، لأنها ركيزة أساسية للنجاح. فقد يكون من المناسب – على سبيل المثال – النظر في التشارك بين المدرسة والمنزل في تعليم الأطفال في هذه المرحلة، بحيث يكون الطفل في المدرسة يومين في الأسبوع أو ثلاثة، وفي البيت باقي الأيام. هذا سيخفف العبء الاستثماري على المنظومة التعليمية ويزيد من الطاقة الاستيعابية لها في الوقت نفسه، ويعزز من دور الأسرة في مرحلة الطفولة المبكرة.
- • التنسيق بين منظومة التعليم ومنظومة العمل لتمكين الأُسَرْ من القيام بدورها في العملية التعليمية، وتفعيل هذا التمكين بسياسة مناسبة لمرحلة الطفولة المبكرة تطوّر بالتنسيق مع أصحاب المصلحة.
- • الفوائد المجنية من الدراسة في مرحلة الطفولة المبكرة قد تتلاشى إذا التحق الطفل بمدرسة ابتدائية أقل فعالية. فقد يكون من المناسب إعادة النظر في توزيع المراحل الدراسية على العمر، بأن تكون الدراسة حتى سن الثامنة مناسبة للتعلم باللعب وليس التعلم في الفصول الدراسية بالتلقين.
- • أثبتت الدراسات أن تصميم المدارس له تأثير كبير ومباشر على الأطفال وتعلّمهم، فالمدارس المصممة لتكون فصولاً تعليمية غير مناسبة للأطفال في مرحلة التعلّم باللعب. فقد يكون من المناسب النظر في تصميم المدارس لتكون مناسبة للسنين الثمانية الأولى من عمر الطفل.
- • أظهرت بعض أساليب التعليم البديلة التي تعتمد نموذجاً وسطاً بين الدراسة التقليدية والتعلّم باللعب أن الأطفال في هذه المدارس أكثر احتفاظاً بالفوائد المجنية من مرحلة الطفولة المبكرة من أقرانهم في المدارس التقليدية. وهذا يعزز من أهمية إعادة النظر في أن تكون المدارس مصمّمة للتعلّم باللعب حتى سن الثامنة، وفق الأساليب التعليمية التي ثبت استدامة أثرها الإيجابي.
إن الهدف من هذه المقالة التأكيد على أهمية مرحلة الطفولة المبكرة لتعلّم الطلاب ونموهم العقلي والإدراكي والعاطفي والاجتماعي، ولكن المدارس وحدها ليست المكان الأفضل لهذا التعلّم والنمو. وإن الوصول إلى حل أمثل لتمكين الأُسَر من المشاركة في هذه المرحلة له أهمية كبرى لمستقبل التعليم والمتعلمين، كما سيكون له أثر إيجابي على تقليص الاستثمارات في هذه المدارس.
خاص_الفابيتا


